لوحات الجدة «موسز»

الوقت ليس متأخراً على أي شيء. بمجرد أن تبدأ فإنه يبدأ معك من جديد. وإن تعثرت، انهض وقم وابدأ، ربما لم تكن البداية الأولى صحيحة. فكم ممن أصبحوا مشهورين، بل مشهورين جداً وأثرياء طردوا في البداية من وظائفهم «لعدم كفاءتهم»!

منهم: أوبرا وينفري التي تم رفضها في بداية حياتها الفنية من قبل إحدى القنوات التلفزيونية بحجة أن وجهها لا يناسب الكاميرا رغم موهبتها، لكنها بدأت من جديد لتصبح مقدمة برنامج «أوبرا شو»، وهو الأعلى مشاهده في العالم وتاريخ التلفزيون. فازت بجوائز «إيمي»، وأصبحت أيضاً ناقده أدبية ناجحة وناشره صحافية متألقة.

فازت بجائزه أوسكار سنه 1985 في مجال السينما عن دورها في فيلم «اللون القرمزي The Color Purple». تواصل نجاحها لتصبح أول مليارديرة سوداء في العالم تقدر ثروتها بـ2.5 مليار دولار.

ومنهم أيضاً ستيف جوبز، والت ديزني، مايكل بلومبيرغ، مادونا. ولكل منهم بداية فاشلة انطلقوا منها إلى عالم النجاح والشهرة.

لكن قصة ماري روبرتسون موسز التي عرفت باسم «الجدة موسز» مختلفة. فقد انتظرت 75 عاماً لتبدأ وتحقق طموحها وتصبح أشهر رسامة أمريكية.

كانت تتمنى منذ صغرها أن تكون رسامة مشهورة ولكنها لم تتمكن من ذلك وسلكت طريقاً آخر، فتزوجت من مزارع وهي في الـ27 من عمرها في نيويورك. كرست حياتها للعائلة والعمل فأنجبت عشرة أطفال مات نصفهم وكانت تعمل مع زوجها في زراعة الأرض حتى توفى الزوج في عام 1927 وترك لها أبناء صغاراً وعملاً كثيراً.

قررت حينها أن تكون على قدر المسؤولية فاستمرت في زراعة الأرض بمساعدة أبنائها الصغار، وأحسنت تربيتهم أيضاً، ولكن انتهى بها الحال مع كبر سنها ومرضها بمرض التهاب المفاصل إلى المكوث بمنزل ابنتها.

كانت في البداية تريد رسم لوحة فنية خلال وقت قصير لتمنحها كهدية لساعي البريد فقامت بالرسم باستخدام فرشاة ألوان، ووجدت أنها إنجزت اللوحة بشكل أسرع كثيراً من الخياطة التي مارستها سابقاً، ولطالما كانت تحلم بممارسة هوايتها المفضلة منذ الصغر وهي الرسم والفن، ولكن لم تجد إلا الرفض والإحباط من كل من حولها وقولهم لها أنها لن تصبح إلا مجرد زوجة لمزارع وأماً لأبنائه فقط، ولن تستطيع النجاح في شيء.

رغم الإحباط لم تترك حلمها يموت فقد أنعشته مرة أخرى عندما بلغت منتصف السبعينيات من العمر، فوجدت أن الوقت قد حان لممارسة هوايتها، الرسم والإبداع، وذلك بعدما أصبحت عاجزة عن زراعة الأرض بأمر من الطبيب المختص بها.

قامت بشراء بعض اللوحات والألوان وفرش للرسم، وبدأت بالفعل في رسم مناظر طبيعية ريفية، ومن ثم أصبحت تبيع اللوحة الصغيرة مقابل دولارين، أما اللوحة الكبيرة فكانت بثلاثة دولارات، حتى وصل عدد رسوماتها إلى 1500 لوحة فنية.

في البداية اشتهرت الجدة موسز «كما كانت تحب أن تلقب» ببراعتها في رسم اللوحات الفنية الخلابة، فكانت تهديها لأقاربها وأصدقائها حتى أصبحت تعرض لوحاتها في جدار كوخها، ومن ثم أعجب أحد المخرجين السينمائيين بإحدى اللوحات بطريقة الرسم والإبداع فقام بعرضها في مزاد بمدينة نيويورك وباع اللوحة بـ 150000 دولار فحصلت لوحاتها بعد ذلك على الشهرة ثم عرضت في متحف الفن الحديث في نيويورك.

أصبحت الجدة موسز من أشهر الرسامات، حيث بدأت لوحاتها تأخذ منحنى آخر، فأصبحت أكثر براعة وإتقاناً في جودة وطريقة الرسم، وبدأت لوحاتها تتصدر الطوابع الأمريكية وبطاقات المعايدة.

كما حصلت لوحاتها على عدد كبير من المعجبين ومحبي الفن، حيث أصبحوا يتسابقون على شرائها، فوصل سعر اللوحة الواحدة من 8 آلاف إلى 10 آلاف دولار مما جعلها تحصل على جائزة الرئيس الأمريكي هاري ترومان عام 1949 لمساهمتها في إثراء الفنون.

الدخل الذي حققته الجدة موسز في عام واحد من بيع لوحاتها الفنية أضعاف ما حققته من زراعة الأرض، فوصل سعر أعلى لوحة فنية قامت ببيعها إلى 1.2 مليون دولار، وتتواجد لوحاتها الآن في متحف اللوفر بـباريس وبلازا في نيويورك، وتعتبر مثالاً رائعاً في مواصلة النجاح وتحقيق الأحلام.

توفيت الجدة موسز في الثالث عشر من ديسمبر عام 1961 عن عمر ناهز 101 سنة تاركة وراءها قصة نجاح ملهمة وحكمة تقول «ابدأ فالوقت ليس متأخراً. حتى لو تأخر».

* كاتب أردني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات