الدهشة التكنولوجية

العالم كله يعيش حالة من الدهشة العجيبة بسبب التطورات التكنولوجية المتتابعة، وما أن تفرغ من اختراع حتى تجد اختراعاً جديداً، وتبدو المسألة أحياناً كما لو كانت خطة محكمة لاستنزاف أموال الناس.

تابعت الأخبار السنوية لشركة «آبل» وهي تنتج كل عام نسخة جديدة من التليفونات الجوالة وتسابق الجمع الإنساني عليها وهي تروح من آي فون ١ حتى وصلت الآن إلى آي فون ١١.

صادف خروج هذه النسخ السنوية إلى الوجود أن أكون في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك يأتيك من البلاد طلبات بالحصول على الجديد، فتذهب وتجد طابوراً طويلاً في بلد لا تعرف ظاهرة الطوابير. سألت ذات مرة فعرفت أن هناك من بات ليله في انتظار افتتاح الصباح، وسألت العاملين في مركز البيع عن أسباب الطوابير الطويلة فكانت الإجابة أن التليفون يصنع في الصين.

ولا تكفي الشحنات الآتية من هناك للاستجابة للطلب المتزايد. على الأحوال أصبح للصين تليفونها الخاص «هواوي»، وكذلك سارت «سامسونج» الكورية على الطريق ذاته، ولكنها لها سلسلتها الخاصة «جالكسي» الذي بدأ يأخذ حروفاً إنجليزية آخرها هو z، ودائماً فإن صناع التليفون الأوائل مثل «أريكسون» و«موتوريللا» يحاولون العودة إلى السوق مرة أخرى.

لم تعد محلات الكمبيوتر والتليفونات وما بينهما من صيغ مثلما كانت أصبحت كلها من زجاج، وعروض للاستخدامات المختلفة، وبشر له تدريب مختلف على البيع، وكلهم يضعون «تفاحة» على صدورهم. بات هناك دائماً مكاناً للدهشة الدائمة مما يجري، ولا تجد مكاناً فيه من الدهشة قدر التي تأتي عند لقاء الإعلاميين والصحافيين، الذي لابد وأن يبدأ الحديث بأن العالم تغير كثيراً عما كان عليه.

ومن الصعب أن تجد ملحقاً فيه حديث عما تغير، وما الذي يعنيه هذا التغيير بالضبط في العمل أو المهمة. كبار الإعلاميين ممن سبقونا يهربون من ضغوط الدهشة بالحديث المطول عن استمرارهم في الكتابة التقليدية، وساعتها يقولون شعراً في ذلك الإدمان لرائحة الورق والحبر وانزلاق سن القلم وهو يشكل الحروف والجمل.

آه.. لقد عشت هذه اللحظات من قبل. في سن السادسة من العمر، في عام ١٩٥٤ دخلت مدرسة حميدة الابتدائية في مركز الباجور منوفية بجمهورية مصر العربية. كان ذلك بعد عامين من الذهاب إلى الكتاب وجمعية لتحفيظ القرآن. وفي اليوم الأول دخل عامل إلى الفصل ومعه دورق له فم طويل يصب منه سائلاً أزرق في «المحبرة» وهي إناء صغير قدر فنجان القهوة في الطرف الأيمن لمقعد الدراسة.

كان ذلك هو الحبر الذي سوف ينغمس فيه قلم «بوص» جرى سنه بطريقة أو أخرى، وبعد ذلك كان الدرس الأول هو تعليم الحروف العربية الأولى. لم تكن المسألة نظيفة بالمرة.

ولكن لم يمض عام حتى سرى الحديث عن تطور تكنولوجي هائل هو «القلم الحبر»، هو ماسورة صغير يلتصق بها سن صغير مدبب يقف على رأس جراب من المطاط فإذا ما وضعت السن في المحبرة، وضغطت وتركت الضغط على الجراب فإنه سوف يمتلئ بالحبر الذي يأتي إلى السن كلما بدأت الكتابة. كان ذلك ثورة تكنولوجية عظمى، لم تعد هناك حاجة للدورق ولا للمحبرة، ولا لقلم «البوص» المرهق في بقاء سنه صغيراً.

أصبح للقلم الحبر درجات، فالرخيص منه يسيل الحبر منه كثيراً عندما يثقب الجراب المطاطي، والثمين هو ما يبقى على حاله وينساب منه الحبر على الدوام؛ إنه القلم «باركر» الشهير الذي كان في عالم الأقلام ما كان للعربة «مرسيدس» في عالم السيارات.

بعد ستة عقود على القلم الحبر، ومن بعده القلم الجاف، وانتشار الآلات الكاتبة التي أصبحت مع ثمانينيات القرن الماضي كهربائية، كانت الدهشة تأخذ وقتاً قبل أن تأتي الدهشة التالية، وفي أغلب الأحوال كان ذلك استجابة لحاجة ملحة وهي التخلص من الحبر الذي يسيل على الإصبع، ويلوث الأظافر، وفي حالة الكارثة فإنه يأتي على الثياب.

أصبح القلم في النهاية متحفياً، إلا لمن حافظوا على العهد، وفي الخليج فإن الأشقاء هناك أبقوه دائماً مطلى ببهاء من ذهب أو فضة أو معادن ثمينة أخرى في جيب الثوب الأبيض. جاء الكمبيوتر الشخصي في ثمانينيات القرن الماضي، ومن ساعتها لم نتوقف عن الدهشة.

* كاتب صحافي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات