تجلّيات أزمة الحزب الديمقراطي الأمريكي

مدهشة تلك التغطية الإعلامية الأمريكية لنتائج الانتخابات التمهيدية التي جرت الأسبوع الماضي في ولاية نيوهامبشير. فالتركيز لم يكن علي الفائز، وإنما على من جاءا بالمركزين الثالث ثم الثاني.

فقد تجاهل الإعلام فوز برني ساندرز، بينما حظيت السيناتور إيمي كلوباتشار، التي جاءت بالمرتبة الثالثة، بالتغطية الأكثر كثافة، ثم المرشح بيت بوتيجيج، الذي جاء بالمرتبة الثانية.

وتلك التغطية اللافتة هي إحدى تجليات حالة الذعر التي انتابت نخبة الحزب الديمقراطي، والإعلام الداعم لها، بعدما احتل ساندرز، المرتبة الأولى في ولايتي أيوا ونيوهامبشير، وانهارت فرص مرشحهما المفضل، جوزيف بايدن. فنخبة الحزب، التي تنتمي ليمينه، ليست على استعداد لدعم مرشح اليسار، برني ساندرز.

ومن هنا، بدأت حملة الترويج لأي ممن يمثلون يمين الحزب. بل صارت تلك النخبة على استعداد حتى لدعم الملياردير مايكل بلومبرج العمدة السابق لمدينة نيويورك، والذي لم يخض الانتخابات في الولايتين أصلاً، حيث قامت حملته فقط، وحتى الآن، على دعاية تلفزيونية كلفت ملايين الدولارات من ماله الخاص.

وتبرر النخبة موقفها هذا بأمرين أولهما أنها تخشى، متى فاز ساندرز، الذي لم ينتم يوماً للحزب الديمقراطي، من أن يتمكن من تحويل الحزب إلى «حزب ساندرز»، مثلما نجح ترامب في تحويل الحزب الجمهوري إلى «حزب ترامب». والحقيقة أن ذلك الطرح جدير بالتأمل.

ففي مقال نشره بالنيويورك تايمز عشية تبرئة مجلس الشيوخ لترامب، قال السيناتور الديمقراطي كريس كونز إن زملاءه الجمهوريين الذين صوتوا لصالح تبرئة ترامب يقولون سراً إنهم يعلمون أن ترامب مدان ولكن تصويتهم مصدره خوفهم من أن يشن ترامب، وحلفاؤه بالإعلام، حملة ضدهم في عام انتخابي قد تكلفهم مناصبهم.

فخطاب ترامب السياسي، خصوصاً المعادي للأقليات والمهاجرين، اجتذب تياراً كان على أقصى هامش الحزب الجمهوري. لكن الأخطر كان أن ذلك الخطاب استجاب لأسوأ ما في تيارات أخرى داخل الحزب لم تكن قادرة على الإفصاح عن مواقفها علناً.

أي أن ذلك الخطاب لم يجر فقط تياراً كان على الهامش إلى قلب الوسط السياسي للحزب، وإنما صار الخطاب نفسه أيضاً يحظى بتأييد واسع داخل الحزب. وبذلك صار الحزب الجمهوري «حزب ترامب».

ولا يتفق أي من ذلك مع توازنات القوى داخل الحزب الديمقراطي ولا مع خطاب ساندرز نفسه. فقاعدة الحزب الديمقراطي هي ذاتها أقرب لموقف ساندرز من مواقف نخبة الحزب. وخطاب ساندرز بالتالي يعبر عن قاعدة الحزب التي لا تمثل بالتأكيد، أقصى هامشه. ثم إن خطاب ساندرز السياسي لا ينطوي على ملاحقة خصومه ولا اغتيالهم معنوياً وسياسياً، كما أشار مقال السيناتور كونز.

أما المبرر الثاني لدى نخبة الحزب فمؤداه أن الولايات المتحدة «ليست مستعدة» لانتخاب «اشتراكي» مثل ساندرز، رئيساً. والمفارقة الأولى في تلك الأطروحة هي أنها تعيد إنتاج خطاب ترامب نفسه رغم أن مواقف ساندرز الفعلية أقرب للديمقراطية الاجتماعية بأوروبا منها للاشتراكية.

والمفارقة الثانية أن فكرة اختيار النخبة لمن تعتبره «قادراً على الفوز» كانت نفسها وراء اختيار هيلاري كلينتون فهزمت أمام أوباما في 2008 ثم فرضها فرضاً فهزمت مرة أخرى في 2016. أما المفارقة الثالثة، فهي أنه إذا ما قورن ساندرز بكلوباتشار أو بوتيجيج، فقد ثبت بانتخابات 2016 أن أمريكا ليست بعد مستعدة لانتخاب امرأة للرئاسة في حالة كلوباتشار.

كما أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت أمريكا مستعدة لانتخاب «مثلي» في حالة بوتيجيج. وينطبق الشيء نفسه على بلومبرج، صاحب المواقف والخطاب المناهض للأقليات، في حزب تمثل الأقليات شريحة جوهرية من ناخبيه.

ومن هنا يجسد الترويج لكلوباتشار وبوتيجيج، أو«الملياردير» بلومبرج، أخطر المعضلات التي يواجهها الحزب الديمقراطي. فالحزب بعد أن صار في العقود الأخيرة رهينة للمصالح الكبرى، خصوصاً قطاع المال، اتسعت الفجوة بين نخبة الحزب وقاعدته الانتخابية.

ومن ثم فإن مقدرات الديمقراطيين في انتخابات 2020 تتوقف على ما إذا كان الحزب سيكرس تلك الفجوة بفرض مرشح فرضاً على تلك القاعدة الانتخابية أم سيفلح في سد الفجوة ورأب الصدع.

* كاتبة مصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات