تركيا.. نهاية الدور الوظيفي

دخلت تركيا مرحلة «خريف الدول» نتيجة لسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي تستهدف التوسع على حساب الجيران، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ورغم وجود مؤشرات كثيرة على دخول تركيا مرحلة الخريف، إلا أن أبرز تلك الشواهد هو «نهاية الدور الوظيفي» لتركيا الذي ظلت تلعبه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

طوال القرنين الثامن العاشر والتاسع عشر كان الغرب ينظر لتركيا باعتبارها القوة المانعة لوصول روسيا القيصرية إلى مضايق الدردنيل والبوسفور والمياه الدافئة، وبعد تدمير الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى فرض الحلفاء المنتصرون اتفاقية سيفر 1920 على تركيا، والاتفاقية تستقطع شرق الأناضول لصالح أرمينيا، وتراقيا الغربية لصالح اليونان، لكن خوف الغرب من ضغط قيصر روسيا على أوروبا أدى لعدول الغرب عن هذه الفكرة، ورفضوا تمزيق تركيا بشرط أن تكون «قوة حاجزة ومانعة» أمام روسيا، وكان هذا من خلال اتفاقية لوزان 1923، وبعد الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق وحلف وارسو من ناحية، والولايات المتحدة وحلف الأطلسي من ناحية أخرى زاد الدور الوظيفي لتركيا باعتبارها قاعدة متقدمة لمحاربة الاتحاد السوفييتي، لكن قيام إسرائيل عام 1948 أعطى دفعة كبيرة للدور الوظيفي التركي عندما اعترفت تركيا بإسرائيل عام 1949، وبهذا تصبح تركيا التي تزايد اليوم بالقضية الفلسطينية هي أول دولة إسلامية في العالم تعترف بإسرائيل، وحصلت على مكافأة لذلك بدخول الناتو عام 1952.

ورغم انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 إلا أن هناك في الغرب من حاول الحفاظ على الدور الخدمي لتركيا حتى ولو كان بشكل نسبي، لكن سياسة أردوغان، خاصة منذ 2011، بدأت تؤلب الجميع ضد تركيا، فحلف الناتو ينظر لتركيا الأردوغانية التي تطالبه يومياً بالتدخل معها ضد روسيا في إدلب وليبيا والصومال وغيرها، بدأ يشعر أن تركيا عبء استراتيجي على الحلف، خاصة بعد شراء منظومة «S400»، وهو ما دفع الدول الغربية إلى التلويح بالتخلي عن الدور الوظيفي لتركيا.

وأبرز مظاهر التخلي الغربي عن «الدور الوظيفي» لأنقرة رفض واشنطن وأوروبا الخطوات التركية في السيطرة على شمال سوريا، وإدانة السلوك التركي ضد اليونان وقبرص، ووقف برنامج تبادل المعلومات الاستخباراتية بين واشنطن وأنقرة، وإعلان واشنطن وقف كل برامج التصنيع العسكري المشترك، وبحث الناتو نقل قاعدة إنجرليك من تركيا إلى بولندا أو رومانيا.

إن تراجع القيمة النسبية لتركيا يؤكد أننا أمام خريف أنقرة التي تزداد ديونها الداخلية والخارجية، وتتعاظم خلافاتها مع الأصدقاء قبل الأعداء، بما يؤكد أننا أمام نهاية للدور الوظيفي لتركيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات