قطعة إسفنج!

عندما انطلقت رحلة مكوك الفضاء تشالينجر في يناير 1986 حاملاً على متنه سبعة رواد فضاء كانت هناك أصوات مهندسين تشكك في قدرة المكوك على الصمود، فلأول مرة يتم استخدام مادة STA-099 لبناء المكوك وهي مادة لم تُجرّب للرحلات الفضائية مِن قبل، لكنّ وكالة ناسا كانت تبحث عن خفضٍ للتكاليف باستخدامها، ومع ذلك كانت هناك ملاحظات مقلقة على قدرة المكوك على تحمل الحرارة العالية جداً أو المتدنية جداً إضافة إلى عيوب مخجلة في تصميم الأجنحة والتي قام الفنيون بإجراء تعديلات مستعجلة لها قبل الإطلاق، فوق كارثة أن «ناسا» قامت بربط أجزاء المكوك بدوائر من «المطاط»!

الكارثة الكبرى كانت بعد 73 ثانية فقط من انطلاق المكوك عندما تشققت الدوائر المطاطية بسبب انخفاض درجات الحرارة في الجو وتدفق كميات حرارية هائلة بشكل سريع جداً نتيجة اندفاع المكوك لينفجر مودياً بحياة مَن هم على متنه، كل ذلك بسبب مكابرة البعض عن سماع ملاحظات المختصين!

مكوك الفضاء كولومبيا هو الآخر كان عائداً للأرض من المهمة رقم 28، لكن طاقم مراقبة الرحلات الفضائية في «ناسا» تجاهل الضرر الذي لحق بطبقة العازل الحراري خلال الإطلاق جراء ارتطام «قطعة إسفنج» كانت تغطي خزان الوقود بجناح المكوك رغم قراءات المؤشرات التي تفيد بوجود خللٍ ما في العوازل، عند العودة كانت سرعة المكوك تبلغ ستة أضعاف سرعة الصوت فانفجر بسبب الحرارة العالية وتسرب الغازات من شقوق الطبقة العازلة وانتثرت أجزاؤه وشظاياه من لويزيانا إلى تكساس!

من المعلوم بتتبّع سِيَر البشر أنّ العلم لا يُنال إلا بالتواضع، والتفوّق فيه لا يتأتى إلا بكثرة السؤال عمّا يجهله المرء، كما أنّ القيادة لا تتحقّق لمن لا يريد سماع ما لا يروق له، فالباحث عمّن يوافقه في كل شيء سيخسر الكثير لكنّه لن يُغيّر الحقائق أبداً، فالليل سيبقى مظلماً والصيف لاهباً والجرح نازفاً والخلل حاضراً والقُصور بادياً، ومن رأى أنّ استماعه للآخرين والأخذ بملاحظاتهم أو مراجعة ما قام به وما قرره سابقاً سيُسيء لـ«برستيجه» وخاف عليه ولم يقبل منهم لذلك السبب فقط، فإنّه عن قريب سيخسر الناس وكامل البرستيج الذي خاف عليه !

إنّ اسكات المنتقد لا يُلغي سبب الانتقاد ولكن يجعله بمرور الوقت أكبر حجماً وأرسخ حضوراً، وإنّ رفض الملاحظات لا يعطي صورة زاهية للمسؤول، ولكنه في الحقيقة يخلق شرخاً كبيراً بينه وبين من هم يتبعون له أو يتعاملون مع مؤسسته تلك، فانتقاد إجراء ما لا يعني انتقاداً للمسؤول، لأن محور الإشكال في الإجراء نفسه، وكما تقول شاعرتنا عوشة رحمها الله «ما حدٍ يشكي ويبكي من البطر»، إضافة إلى أن رفض السماع لتلك الأصوات يُفوّت على المؤسسة فرصاً كثيرة لعلاج المشكلة، ويحرمها من مواصلة نموها، لأنّ المسؤول يفتقد للثبات العاطفي لمواجهة النقد !

أحياناً يتعلل البعض بأنّه شكل لجنة أو فريق عمل هو من قام باتخاذ ذلك القرار ويظن أنّ ذلك يُعفيه من المساءلة أو يجعله في حِلّ من سماع ملاحظات أو انتقادات المنتفعين بخدمات مؤسسته أو المتأثرين بها، فليس شرطاً أنّ القرار صائبٌ إنْ لم يكن فردياً خاصة إذا افتقد جزئية مهمة لا فائدة للقرار بدونها، ألا وهي جودة المعلومات المتوفرة والتي تم على ضوئها تحليل الوضع أو المشكلة واقتراح وتقييم البدائل واختيار أحدها.

إنّ القرارات الصائبة تحتاج إلى معلومات كافية ودقيقة ليخرج القرار سليماً، وإلا فإنه سيكون وبالاً على المؤسسة، حينها حتى الرأي الجماعي لا يكفي لأن الاعتماد كان على مادة فقيرة أو مستعجلة التحضير، في هذه المرحلة يكون سماع رأي العملاء هو النقطة المفصلية لمعرفة سلامة القرار من عدمه، ففي بحث نشرته مجلة Harvard Business Review أكد توماس ريدمان أنّ المعلومات غير الكافية والضحلة تُكلّف المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها قرابة 3.1 تريليونات دولار كخسائر!

كبار الناجحين في التاريخ البشري أخفقوا كثيراً لكنهم لم يتوقفوا عن التصحيح أو سماع أصوات المنتقدين، فلم يقل أحد إن النجاح ينقرض إنْ أخفق المرء أحياناً، فها هو ونستون تشرشل يقول:«النجاح هو أن تنتقل من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك»، أمّا بيل غيتس أحد أثرى أثرياء العالم وأسطورة مايكروسوفت فيؤكد على حقيقة لا يرتاح لها المتطفلون على عالم الناجحين عندما صرّح أكثر من مرّة أنّ: «زبائنك الأكثر غضباً هم أعظم مصدر للتعلّم لديك»، فسماعك لأصوات الآخرين ضرورة وليس ترفاً، حاجةً لك وليس مِنّةً مِنك عليهم، فمن لا ينتقده أحد يعني ببساطة أنه لا يحقق أي إنجاز، وبمقدار ارتفاع سقف الانتقادات يكون ارتفاع تقدير الآخرين لهذا الشخص وما يُمكن أن يُنجزه.

في ذات السياق، كم هو مُحزن أن نرى جرياً حثيثاً من الكثيرين لإسكات أي منتقد على مخرجات وإجراءات بعض المؤسسات، بل وصل الأمر أن انتقلت قضية فتح البلاغات لنوادي الكُرَة، وهنا فنحن جميعاً نرفض الإساءات والشتائم، ولكن أن يتم استهداف كل منتقد لتقصير إدارة أو ضعف جودة مخرجات مؤسسة فتلك هي الداهية الدهياء، لأن المطلوب أن تُقفِل الثغرة الموجودة في الإجراء لا أن تُقفل أفواه «المتأذين» مِن قصوره، والمرجو أن تفتح قلبك وأُذنيك لملاحظات وانتقادات مجتمعك لا أن تنشغل بفتح بلاغات ورفع قضايا عليهم، فهذه أمور لن تحل المشكلة ولن تجبر القصور، والمشكلة إنْ تُرِكَت دون حَل كَبُرَت واستعصت على العلاج، فالمكوك كولومبيا فجّرته قطعة إسفنج صغيرة !

طباعة Email