هل يصمد الاستثناء الألماني؟

ما جرى في إحدى الولايات الألمانية، الأسبوع الماضي، يطرح أسئلة مهمة حول ما إذا كانت ألمانيا ستلحق بدول أوروبية أخرى، يلعب فيها اليمين المتطرف دوراً رئيسياً في حكم البلاد.

ففي الانتخابات المحلية لمنصب رئيس ولاية ثورينجيا، فاز مرشح الحزب الليبرالي الحر من خلال دعم مباشر من حزب البديل، اليميني المتطرف، وبالتحالف مع الحزب الديمقراطي المسيحي، حزب أنجيلا ميركل. وقد شكل ذلك التحالف صدمة قوية لتيارات ورموز فاعلة منها أنجيلا ميركل التي اعتبرته «لا يغتفر»، ودعت لإلغاء الانتخابات.

فالتحالف، كما يقول المراقبون، مثّل خرقاً «لتابو»، خصوصاً في ألمانيا التي عانت من النازية. فتلك هي المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يتحالف فيها أي من التيارات أو الأحزاب الألمانية الرئيسية مع حزب اليمين المتطرف.

ورغم أن ميركل قد تنحت عن رئاسة حزبها كونها قد أعلنت أنها ستتقاعد بعد انتهاء مدتها الحالية، إلا أنها لا تزال تحظى بنفوذ كاسح في حزبها واحترام واسع في ألمانيا عموماً. وقد أجبرت ردود الفعل الواسعة الفائز بولاية ثورينجيا على الانسحاب وحل المجلس التشريعي للولاية.

والحقيقة أن تلك الصدمة لا تتعلق فقط بذلك التحالف، الجديد، على الساحة الألمانية، وإنما ترتبط بكون ألمانيا قد ظلت، حتى الآن، بمثابة الاستثناء بالمقارنة بدول أوروبا التي شهدت صعود تيار اليمين المتطرف لمناصب حكومية، من فرنسا للنمسا ومن إيطاليا لأسبانيا.

والاستثناء الألماني يتعلق بأنها الدولة التي لم يصل فيها حزبها المتطرف للحكم. ففي تلك الدول الأربع، يشارك حزبها اليميني المتطرف في الحكم بشكل أو بآخر بينما تشكل تلك الأحزاب اليمينية، على اتساع القارة الأوروبية، كتلة معتبرة داخل الاتحاد الأوروبي.

وصعود اليمين المتطرف لا يقتصر على الدول الأربع، وإنما يمتد ليشمل دولاً مثل بولندا ورومانيا وبلجيكا والسويد وهولندا وسويسرا وفنلندا. والاستثناء الألماني له دلالة ذات مغزى كبير كونها موطن أدولف هتلر، من ناحية، ولأن ألمانيا لا تزال زعيمة أوروبا بلا منازع من ناحية أخرى.

فمن بين الدول الأربع، يشارك حزب مارين لوبن الفرنسي في الحكم في المحليات بمناطق عدة، بينما تسعى لوبن نفسها لهزيمة إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2022. وهو ما لم يعد مستحيلاً، نظراً لتدني شعبية ماكرون بشكل خطير.

وفي إيطاليا، رغم النتيجة السلبية نسبياً التي حصل عليها، في آخر انتخابات، حزب ماتيو سالفيني، الذي شغل حتى وقت قريب منصب وزير الداخلية بالحكومة الائتلافية، إلا أن سالفيني نفسه لا يزال يتمتع، وفق آخر استطلاعات للرأي، بشعبية كبيرة قد تمكنه وحزبه من العودة بشكل أقوى في أية حكومة ائتلافية جديدة، خصوصاً وأن حزب رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني يتعاون، استعداداً للانتخابات المقبلة، مع حزب سالفيني بل وتيار الفاشية الجديدة.

وحالة النمسا هي الأكثر شبهاً بالحالة الألمانية، إذ هي التي شهدت التحالف الأكثر وضوحاً بين تيارات متعددة وبين حزب اليمين المتطرف. فلم يدخل الحزب الديمقراطي المسيحي النمساوي وحده في مثل ذلك التحالف وإنما لم يتخلف عنه أيضاً الحزب الديمقراطي الاجتماعي، أي يسار الوسط النمساوي.

والأمر لا يختلف كثيراً في أسبانيا التي صار فيها حزب اليمين المتطرف يشكل ثالث أكبر أحزاب المعارضة.

والحقيقة أننا إذا أضفنا لذلك كله أن فرص دونالد ترامب، في الفوز بولاية ثانية قد صارت أفضل من أي وقت مضى، بعدما أثبت الحزب الجمهوري، خلال كل مراحل المحاولات المستمرة لعزله أنه صار «حزب ترامب»، يصبح القاسم المشترك بين كل تلك الحالات لا يتعلق بقوة تيارات اليمين المتطرف وإنما بضعف الأحزاب التقليدية المنافسة وعجزها عن الاستمرار في جذب الناخبين الذين كانوا تقليدياً في معسكرها.

ومن هنا، فإن السؤال الرئيسي الذي يطرحه ما جرى في ألمانيا، أخيراً، هو ما إذا كانت ألمانيا قادرة على الصمود في وجه ذلك التيار، أم أنها ستلحق بدول أوروبية أخرى، صارت قاب قوسين أو أدنى من هيمنة أحزاب اليمين المتطرف على حكوماتها، وبالتالي على مقدراتها. وهو ما يطرح سؤالاً آخر حول بقاء ألمانيا زعيمة لأوروبا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات