الأزمة الأمريكية وتأثيرها على النظام الدولي

لو بذلنا جهداً في وصف المشهد السياسي الحاصل في الولايات المتحدة من واقع نتيجة ما حدث في الأسبوع الماضي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي رفض أن يصافح الديمقراطية نانسي بيلوسي، زعيمة مجلس النواب الأمريكي وتجاهل، متعمداً، يدها التي مدتها للترحيب به وذلك كرد فعل على تحقيق نصر في «معركة» عزله وبين ردة فعل بيلوسي، التي مزقت «خطاب الاتحاد» بمجرد أن انتهى ترامب من إلقائه، موضحة أنها لم تر خطاباً مليئاً بأكاذيب سياسية مثله من قبل، وأن هذه الطريقة للتعبير بالنسبة لها أفضل الخيارات، إذا بذلنا ذلك الجهد فإننا نلخصه في نقطتين اثنتين.

النقطة الأولى: أن هذا المشهد يكشف عن وجود أزمة سياسية عميقة في الولايات المتحدة، وفي نظام إدارة الدولة وفق المفهوم الديمقراطي، الذي أبهر العالم على مر التاريخ حتى باتت نموذجاً للتقليد، وهذه الأزمة أدت إلى أن نشاهد سابقة سياسية في التخاطب بين السياسيين في أمريكا الذين اعتدنا أن نرى عدم تجاوز أي زعيم من الحزبين الرئيسيين، جمهوري أو ديمقراطي، في قيم التخاطب وعدم الخروج عن التقاليد السياسية في التعبير على الغضب ضد الآخر، رغم أن الاختلاف بين الحزبين معروف وهو أحد الصفات التقليدية للتنافس بين الحزبين.

وبالتالي هذا سيكون له تأثير على مكانة الولايات المتحدة في دورها الدولي الذي يشهد تنافساً مع روسيا والصين وفي كونها الدولة التي اعتادت على إبهار العالم بكل قصص النجاح وعلى رأسها ديمقراطيتها.

النقطة الثانية: أن الطريقة في التعامل بينهما وضحت للرأي العام العالمي أن هناك تشابهاً كبيراً في أسلوب التعامل بين السياسيين المتنافسين، وهي لا تختلف طريقتها عنها في باقي دول العالم، بما فيها سواءً في أفريقيا أو الدول العربية، وأن مسألة «الانبهار» بالتجارب الإنسانية ومحاولة تقليدها لا يعني أنها الأفضل إذا لم تكن نابعة من خصوصية المجتمع، فالديمقراطية كمفهوم هي طريقة حكم، ولكن كيفية تطبيقها تعتمد على أسلوب الدولة بما يناسبها.

وفي الوصفين فإن النتيجة التي تشير إليها أن المشهد السياسي في الولايات المتحدة يسير نحو استمرار المعركة السياسية وزيادة الشرخ في مواقف الرأي العام الأمريكي بين الحزبين التي ستقرر نتائجها الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، وإن كانت التوقعات ترجح كفة ترامب حسب استطلاعات الرأي الأخيرة.

لب الفكرة التي لها علاقة بدولنا تكمن في المقارنة بين المشهد السياسي الأمريكي في الوقت الحالي، باعتباره نموذجاً سياسياً، وبين ديمقراطيات في دول العالم الثالث، حيث نجد أن الاختلاف في أدوات الاقتتال السياسي فقط، ولكن الاثنين (الجمهوريين والديمقراطيين) كل واحد كان يريد إقصاء وإلغاء الطرف الآخر وفق المعادلة الصفرية المعروفة (1 مقابل صفر)، وليس كما يطرح نظرياً في مجتمعاتهم المناصفة السياسية، كما أن الاختلاف يكمن في اللغة السياسية وطريقة التخوين، ففي حين دول العالم الثالث يكون الكلام أكثر صراحة، وقاموس الشتم أكثر «بلاغة» وقسوة.

فإن الاتهامات عندهم كانت أكثر التزاماً في ناحية وصفها ولا تخرج عما يمس المصالح الوطنية للدولة، وذلك نتيجة لقوة القانون التي يمكن أن تقاضي من يتجاوز حدوده على عكس الأمر في باقي دول العالم التي تمارس الديمقراطية وفق معايير فترة ما بعد عام 2003.

لعل الاتفاق الوحيد في المعايير السياسية بيننا وبين ما حدث في التنافس بين الحزبين في: الولاء الكامل الذي انصب لرئيس الحزب أكثر من الدولة، ففي الوقت الذي أيد الجمهوريون رئيسهم رغم كل الذي فعله في تشويه صورة الولايات من خلال السياسات التي اتبعها في العالم، فإن الديمقراطيين هم أيضاً وقفوا بكل ما أتوا من قوة مع رئيستهم التي تريد تصفية حساباتها السياسية مع ترامب أكثر من الخوف على المصلحة العامة للدولة الأمريكية، التي هي الأخرى أخطأت في ردة فعلها بتمزيق خطاب الاتحاد.

ما يتم على الساحة الأمريكية هو إفراز طبيعي لحالة الخلل الذي تعيشه السياسة الأمريكية منذ أيام إدارة بوش الابن واستمرت مع إدارة أوباما والآن مع ترامب، وهو دليل أن النظام العالمي يعيش أزمة هوية تبحث عمن يخلصها، وإلا فالمؤشرات تلوح بعودة حالة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات