السياسات الخارجية البريطانية بعد بريكست

بعد خروجها فعلياً من عضوية الاتحاد الأوروبي وفق خطة «بريكسيت» التي صوت عليها البرلمان الأوروبي بصورة نهائية مؤخراً، ستكون بريطانيا أكثر حرية لجهة رسم سياساتها الخارجية والدفاعية ولاسيما حيال الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وهي المناطق الثلاث التي تشكل مرتكزات لهذه السياسات كونها الأهم لجهة المصالح الاقتصادية البريطانية وبالتالي ضرورة بناء نفوذ فيها.

ولأن منطقة آسيا/‏ الباسيفيكي هي الأسرع نمواً على الصعيد العالمي ولأنها تشهد تنافساً جيوبوليتكياً حاداً بين العملاقين الأمريكي والصيني فإنها هي التي تجذب اهتمام لندن أكثر من المنطقتين الأخريين. ولأن أستراليا واليابان هما أقرب حلفاء لندن فإنهما الأولى بالاهتمام والتركيز من قبل البريطانيين ضمن منطقة آسيا/‏ الباسيفيكي.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، إغفال التركيز على دول جنوب شرق آسيا التي من بينها ما ارتبطت بروابط كولونيالية قديمة مع بريطانيا وتربطها بها حالياً مصالح من خلال منظومة الكومنولث البريطاني.

وفي هذا السياق قيل إن قيام لندن مؤخراً بافتتاح بعثة خاصة لها في العاصمة الأندونيسية جاكرتا، حيث يوجد مقر السكرتارية الدائمة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا المعروفة اختصاراً باسم آسيان، يندرج ضمن اهتمام السياسة الخارجية البريطانية الجديدة بتعميق روابط المملكة المتحدة مع الدول العشر الأعضاء في هذا التكتل بشروطها الحرة، أي خلافاً لما كان يحدث سابقاً حينما كانت لندن مقيدة بمرئيات وسياسات الاتحاد الأوروبي إزاء هذه الدول.

وهذا يعني أن بإمكانها الآن أن تبدي بعض المرونة في تعاملاتها مع الأخيرة، وأن توقع معها اتفاقيات تجارة حرة تنطوي على بعض التنازلات في المواقف المبدئية، أو تتضمن تجاوزات فيما يتعلق بتوريد بضائع بمعايير وقائية صحية وبيئية أدنى من معايير الاتحاد الأوروبي مثلاً، كي تعطي لنفسها ميزة على حساب بقية الدول الأوروبية ( رغم تحذيرات الاتحاد الأوروبي لها من الإقدام على ذلك).

ولعل ما يشجع بريطانيا على هذه الخطوات حيال آسيا هو النصر الذي حققه رئيس حكومتها الحالية بوريس جونسون في انتخابات شهر ديسمبر 2019 بشكل لم يعد معه أسيراً لمساءلات وإعاقات من قبل المعارضة العمالية حول سياسات بلاده الخارجية والدفاعية من تلك التي أعلن جونسون ووزير خارجيته «دومنيك راب» بصراحة ضرورة الإقدام على تغييرها وتطويرها للمرة الأولى منذ العام 1989 لتتلاءم مع وضع بريطانيا السيادي الجديد ومكانتها كلاعب عالمي وعضو دائم في مجلس الأمن.

وهكذا فإن المؤكد هو تحول سياسات بريطانيا الخارجية والدفاعية نحو انخراط أعمق وأوضح لها في آسيا/‏الباسيفيكي باعتبارها منطقة معقدة أمنياً ومقبلة على تنافس أشد خطورة بين واشنطن وبكين من ذي قبل، بل تتصاعد أهميتها التجارية لبريطانيا وأهميتها الأمنية للعالم ككل في المستقبل المنظور، لكن مع إيلاء اهتمام خاص باليابان التي وقعت معها بريطانيا في عام 2017 اتفاقية للتعاون الأمني.

من ضمن المقترحات التي اقترحها خبراء الشأن الآسيوي على لندن خلال جلسات استماع سرية، استبدال مصطلح «الشرق الأقصى» الذي تستخدمه الخارجية البريطانية إلى مصطلح «آسيا/‏الباسيفيكي»، أي على غرار مافعلته واشنطن منذ عام 2017، والتحرك سريعاً دون إبطاء نحو تفعيل سياستها الآسيوية الحرة الجديدة.

وبطبيعة الحال ليس المطلوب من لندن الآن القيام بخطوات ثورية في صورة توسيع رقعة انتشارها العسكري في المنطقة لتأكيد انتهاجها نهجاً خارجياً ودفاعياً جديداً.

فهي تتمتع حالياً بحضور عسكري وأمني واستخباراتي ولوجستي لافت وكاف، حيث تحتفظ بقوات من «الغوركا» في سلطنة بروناي، وتملك قاعدة لوجستية في سنغافورة، وتشترك مع كل من أستراليا ونيوزيلندا وماليزيا وسنغافورة في المجموعة المعروفة باسم «الأعين الخمس»، وهي مجموعة تشكلت بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية، اتقاء لشرور العمليات الإرهابية وأعمال القرصنة والاحتجاز البحرية.

كما أنها حجر الزاوية في الشراكة الأمنية في منطقة جنوب شرق آسيا، بدليل قيامها بإجراء تمرينات عسكرية دورية مشتركة مع القوات الماليزية والقوات السنغافورية.

إلى ما سبق قامت بريطانيا منذ عام 2018 بنشر سفنها الحربية في المنطقة لأول مرة من بعد غياب دام لعدة سنوات، بل أن هذه السفن شاركت في عمليات بالقرب من جزيرة (باراكال) المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وهو ما أثار حفيظة الصينيين آنذاك وجعل بكين تعترض وتهدد، وتعتبر العمل البريطاني خرقاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات