الإعلام العربي وسرّ الدقائق الثلاث!

ما الذي يدفع القارئ لشراء وقراءة صحيفة معينة أو مشاهدة برنامج محدد في الفضائيات؟

هذا السؤال تم إثارته عرضاً خلال ورشة عمل مهمة صباح الثلاثاء الماضي في أبوظبي، كان عنوانها «مستقبل الأخوة الإنسانية ومستقبل الإعلام العربي» .

في إطار «التجمع الإعلامي العربي من أجل الأخوة الإنسانية»، الذي انعقد في العاصمة الإماراتية في الذكرى السنوية الأولى للتوقيع على وثيقة الأخوة الإنسانية بين فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف وقداسة البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية.

يفترض أن إجابة هذا السؤال النموذجية هي وجود وتوافر المحتوى الجذاب. لكن الاكتفاء بهذه الإجابة لم يعد كافياً.

فهناك متغيرات وتفاصيل كثيرة، أشك أن كثيرين من العاملين في الإعلام العربي يدركونها، وإذا أدركوها فهم لا يحاولون التعامل معها بجدية.

من أفضل ما لفت نظري في هذه الورشة ما قاله الإعلامي المتميز شريف عامر مقدم برنامج المساء الرئيسي في «إم بي سي مصر».

هو قال إن غالبية المشاهدين العرب، لم يعودوا يجلسون أمام شاشة فضائية معينة كثيراً.

لم يعد في طاقة المشاهد خصوصاً الشباب ترف الجلوس لمدة ساعة ونصف الساعة أو حتى ساعة أمام برنامج معين.

هؤلاء الشباب يعتمدون على الأخبار المهمة والمثيرة عبر «يوتيوب» على شاشات هواتفهم المحمولة.

ولأن عدداً كبيراً منهم ليسوا أغنياء، فإن باقة الإنترنت التي يشتركون فيها رخيصة، وبالتالي وقتها محدد.

مثل هذا المشاهد غالباً لا يفتح الفيديو الذي تزيد مدته على ثلاث دقائق، حتى لا تنتهي الباقة بسرعة.

فإذا كان هذا المشاهد الشاب لا يتفرج إلا على هذا الفيديو القصير، فكيف الحال إذا كان وقت البرنامج ساعة أو أكثر؟!

الفيديو القصير يجذب المشاهد إذا كان جذاباً جداً، أو إذا كان يحتوي على توابل «سبايسي» وعناصر مثيرة.

وربما يفسر لنا ذلك اتجاه العديد من الإعلاميين أو حتى الشخصيات العامة العربية إلى الفرقعة والإثارة، لكي يجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين والمتابعين.

طبعاً الأساس والمهم أن يكون المحتوى شيقاً وجذاباً، وليس حريفاً أو متبلاً ومثيراً.

الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام الأسبق ورئيس مجلس إدارة «المصري اليوم» الحالي، طالب في الندوة ذاتها الإعلاميين، خصوصاً المصريين، بالتوقف عن الاندهاش التكنولوجي.

ولا يعقل أنه في كل مرة نسمع الناس تتحدث عن ضرورة الالتحاق بالتكنولوجيا، في حين أن هناك ٤٠ مليون مصري يدخلون على الإنترنت. وبالتالي هم ملتحقون بالفعل.

خالد البرماوي، المتخصص في شؤون التقنية وعلاقتها بالإعلام، تحدث عن أمور فنية مهمة تتعلق بتصميم الرسالة الإعلامية.

وأفضل الطرق للوصول إلى المشاهد ولفت نظر الحاضرين إلى تحول مهم هو أن العديد من الندوات والمؤتمرات، لم تعد تدعو الصحافيين العاديين لتغطية هذه الفعاليات.

بل تدعو «اليوتيوبيرز»، الذين لديهم نسب متابعة عالية، علماً أن بعض هؤلاء يتابعه أكثر من كل قراء الصحف المصرية اليومية مجتمعة وربما الصحف العربية.

في هذا اللقاء، دافع ياسر رزق رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم» عن الصحافة عموماً والورقية خصوصاً، لأنها لا تزال مصدر التوثيق الأول، وأنها لا تزال قادرة على الفعل والتأثير، إذا قام الصحافيون بواجباتهم المهنية.

أحد المتحدثين قال إن قناة مثل «ديسكفري» تخدم مصر، بأفضل ما تخدمها العديد من الفضائيات المصرية، وأفضل مما فعله كثير من المصريين لوطنهم، وخلص هذا الرأي إلى أن العديد منا لا يعرف أوطانه بطريقة صحيحة، وبالتالي لا يقدم لها ما تحتاجه.

في هذا الورشة التي أدارتها الإعلامية نوفر رمول، استمعت إلى مداخلات ومقاربات مهمة للغاية، من الكاتب السوداني عثمان ميرغني.

ومن الإعلامية الأردنية دانة الصباغ لكن لا أعرف هل أصحاب الصحف والمؤسسات، وكل من يهمهم أمر الإعلام العربي، يعرفون هذه الأمور، ويدركون خطورتها، وهل بدأوا الاستعدادات الفعلية للتعامل مع هذه المتغيرات؟!

هل تدرك حكوماتنا العربية، أن الإعلام التقليدي من صحف وفضائيات، قد ينتهي أمره قريباً جداً.

وبالتالي تفقد هذه الحكومات علاقتها تماماً مع الرأي العام، ومع المجتمع عموماً، الذي يتجه إلى الحصول على معلوماته من مصادر جديدة ومختلفة، وغالبيتنا على خصام معها، وحتى إذا وصلنا إليها، لا تصل الرسالة أو الصورة الصحيحة؟!

هل تدرك الحكومات العربية أن الأغلبية العظمى من الشباب، لا يشاهدون الإعلام التقليدي إلا نادراً، وهل نبدأ في إدراك خطورة ذلك؟!

* رئيس تحرير صحيفة «الشروق» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات