خروج بريطانيا ومستقبل نظام التحالفات

البعض شبه خطوة خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة الماضية بعد سبعة وأربعين عاماً من العمل ضمن واحد من أنجح التكتلات السياسية والاقتصادية في العالم بمثابة «يوم التحرير من الأسر» كون أن لندن دولة لديها من الإمكانيات لأن تلعب دوراً دولياً أكبر مما هو الآن ضمن تكتل يعتبر بالنسبة لها «مقيداً».

مبدين، في الوقت نفسه، قلقهم من أن تكون تلك الخطوة البريطانية عاملاً مشجعاً لأن تتبعها دول أخرى ليس فقط ضمن الاتحاد الأوروبي .

وإنما من تنظيمات إقليمية ودولية أخرى، على اعتبار أن هناك الكثير من الدول هي أعضاء في تنظيمات سياسية وعسكرية غير راضين بأداء التنظيم تجاه بعض التحديات التي تواجهها .

ولكن لا يملكون جرأة الخروج منها، حيث تكمن الصعوبة عادة فيمن يبدأ الخطوة ومن ثم يتبعه الآخرون.

فرحة تحرير بريطانيا من القيد الأوروبي اختصرها نايجل فاراج رئيس حزب بريكست ومعه بعض أعضائه ممن حضروا إعلان قرار الخروج من داخل البرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل بإعلانه:

أنه يحب الأوروبيين ولكنه يكره اتحادهم لكن ومع ذلك لا أحد يشك في إدراك فاراج أن معركة «بريكست» مع بروكسل لم تنته بعد إن لم تكن أصلاً المرحلة الباقية هي الأصعب والأكثر تعقيداً .

ولكن هي جولة في معركة ولا بد من الاحتفال بالانتصار فيها وأن تعيش «اللحظة» بكل معانيها.

وبالنظر إلى العديد من الطروحات السياسية في مختلف دول العالم بشأن مستقبل نظام التحالفات التقليدية التي قامت على معايير جغرافية أو أيديولوجية خلال الفترة من سقوط الاتحاد السوفييتي وظهور مصطلح العولمة إلى اليوم وزادت وتيرتها مع وصول دونالد ترامب وغيره من المحافظين الجدد إلى سدة الرئاسة في مختلف دول العالم.

فإن مسألة الاقتناع بالاندماجيات أو التكتلات التعاونية لم تعد مقبولة بالدرجة التي كانت في السابق بل هناك اعتقاد شائع أنها باتت تمثل عقبة في تحرك بعض الدول التي لديها طموحات سياسية أكبر وتعتقد أن لديها دوراً أكبر وأكثر تأثيراً في العالم لو عملت من خارج التنظيمات التي تنتمي إليها.

فالتوجه في الوقت الحاضر أصبح نحو التفكك من هذه التحالفات وهو ما يعني أن الحال كما هو موجود في الغرب عموماً موجود أيضاً في الشرق وربما بشكل أكبر حيث إن العمل ضمن منظومات سياسية في الشرق أصعب وأعقد وبالتالي يكون «التحلل» من الالتزام السياسي أفضل.

هناك جملة من التبريرات في رغبة التفكك من صيغ الاتحادات منها أن تلك التنظيمات تعيش مرحلة «الموت السريري» ولم يعد يصلح معها حتى عملية «الإنعاش» المطلوب فقط إعلان حالة وفاتها سياسياً نتيجة لتضارب مصالح أعضائها.

وهناك من يريد الخروج من هذه التنظيمات لأنها «تكبله» في اتخاذ القرارات المناسبة لدولتها الوطنية ولشعبها، ويرون بالتالي أن الاستمرار فيها يعطي فرصة لدول «شريرة» باستغلال الموقف ضد الأعضاء في الأحلاف التي يتواجدون فيها ولو أخذنا حالة بريطانيا، كمثال.

فهي الأكثر تضرراً من ناحية الهجرات القادمة من أفريقيا وآسيا إلى أوروبا كونها الدولة الأوروبية الثانية اقتصادياً في أوروبا بعد ألمانيا وبسبب استقرارها الأمني، وفيها مساحة للتعايش بين مختلف الجنسيات باعتبارها مدينة عالمية.

لقد ظهرت نخبة سياسية في أغلب دول العالم تطالب بإعادة التفكير بمصلحة دولتها الوطنية وشعبها كأولوية أكثر بدلاً من تلك الصيغة التي ترددت إعلامياً بأن العالم أصبح «قرية صغيرة» من ناحية الاهتمامات وقناعات الناس، إلا أن الأمر يبدو قد اختلف.

وأصبحت هناك رغبة لإعادة تشكيل العديد من التحالفات في العالم.

لأن المعايير السياسية تغيرت، وإذا صح القول فإنها رجعت إلى المنطق التقليدي للدول وهو: الحفاظ على السيادة الكاملة لها.

* كاتب إماراتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات