لو كنت إسرائيلياً!

لو كنت إسرائيلياً لسألت أبي: أين ولدت؟ أين ولد جدي وأبو جدي؟ ثم أسأله: بلدكم.. هل كنتم مرتاحين فيه؟ وهل كان أحد يقول لك هذه ليست بلادك؟ هل كان أحد يرفع البندقية أو الحجر أو السكين في وجهك ويقتلك؟ هل كان البيت بيتك أم بيت غيرك، غيرك الذي طردته بعيداً وسكنته وسكنك؟ هل كنت تجلس في المقهى وأنت تخشى أن يهاجمك شبان من أحفاد صاحب الدار الذي طردته فترتشق القهوة على ملابسك وربما يتراشق دمك؟ هل كنت تنام وسلاحك جنبك خشية أن يقتحم أحدهم غرفتك لينام في سريره الذي سرقته من طفولته؟.

سيجيب أبي: لكن هذه أرض الميعاد، أرضنا.

لقد خدعوك يا أبي. قالوا لك إنها أرض بلا شعب. سبعون سنة مرت وشعبها يطالب بأرضه، أصحاب البيوت التي سكنتموها يحملون مفاتيحها التي صدأت ولم يصدأ حلمهم بالعودة. إنهم ما زالوا يحملون السلاح بل يخترعون السلاح من الحجارة وورش الحدادة. قتلنا منهم الآلاف وسجنا عشرات الآلاف، لكنهم عنيدون يا أبي. إنهم ينجبون ويتكاثرون ويقاومون. هل سمعت بتهريب الأجنة من داخل معتقلاتنا إلى أرحام نسائهم ليحملن ويلدن؟ أتدري أن الذين يطعنون مستوطنينا وجنودنا في «أورشليم» هم أحفاد الذين رمونا بالحجارة في انتفاضة 1978، وأن الذين ولدوا في انتفاضة عام 2000 أصبح الآن عمرهم 20 سنة، وهؤلاء هم من سيشعلون انتفاضة ثالثة ورابعة.

ماذا تريد أن تقول يا بني؟ هل كذبوا علينا؟

نعم يا أبي. إنها الحركة الصهيونية. أرادوا «إسرائيل» دولة صهيونية وليس يهودية. كان ثمة يهود يعيشون في فلسطين بحرية، يمارسون أعمالهم وشعائرهم. غولدا مائير اعترفت أنها كانت فلسطينية وشمعون بيريز دخل هذه البلاد بتأشيرة من حكومة فلسطين، وغيرهما بل كلهم قبل 1948.

الناس هنا طيبون. لم يكونوا يفرقون بين مسلم ومسيحي ويهودي. نحن الذين شردناهم من بيوتهم وارتكبنا المذابح الجماعية وبقرنا بطون النساء الحوامل. نحن الذين رفضنا العيش معهم وأردنا اقتلاعهم من جذورهم.

هذه رواياتهم هم العرب. إنهم كذابون.

لا لا يا أبي. هل قرأت ما كتبه المؤرخون الجدد؟ إنهم مجموعة كبيرة من الباحثين والمؤرخين الإسرائيليين ممن عملوا على إعادة قراءة التاريخ بطريقة تدحض الروايات الرسمية للأحداث المرتبطة بنشأة الحركة الصهيونية، إضافة إلى الأحداث التاريخية المرتبطة بتأسيس إسرائيل، لاسيما فيما يخص دور القوى الدولية، الصراع مع العرب، الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، ظروف عيش اليهود في أوروبا، الهجرة اليهودية، بل حتى فكرة الشعب اليهودي نفسه.

أول هؤلاء سيمحا فلابان صاحب كتاب نشأة إسرائيل: الأساطير والحقائق. بيني موريس الذي كشف عن مذابح ارتكبتها العصابات الصهيونية قبل 1948. إيلان بابيي الذي تعرض لضغوط داخل إسرائيل واستقر في بريطانيا العام 2008. آفي شلايم اليهودي العراقي صاحب كتاب: الحرب والسلام في الشرق الأوسط. شلومو ساند: «كيف اخترع الشعب اليهودي» و«كيف لم أعد يهودياً» وهو معارض شرس للصهيونية، توم سجيف: «إسرائيل الأخرى: أصوات الرفض والانشقاق»، باروخ كيميرلينغ: «إسرائيل بين تعدد الثقافات والحروب الثقافية». إيديث زرتال: «الهلوكوست الإسرائيلي وسياسة التوطين».

هل تقرأ ما يكتبه جدعون ليفي في «هآرتس» خاصة مقاله «سنرحل.. سنرحل».

لكن يا بني إسرائيل دولة نووية قوية هزمت أربع دول عربية في حرب الأيام الستة 1967، واحتلت بيروت 1982.

يا أبي، حتى لو حصل وهزمناهم، فكيف نهزم الخوف داخلنا، وكيف نوقف الفلسطينيات عن الإنجاب، بل وكيف نقنعهم أنهم ماتوا؟.

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات