العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    شماعة المركزية

    اشتكى إليّ موظف عربي في دائرة حكومية من مركزية مديرهم الكبير. سألته: هل هو مديرك المباشر فقال: «لا بل مدير مديري هو المركزي ونحن نعاني من مركزيته، فكلما عمل مديرنا شيئاً طلبه المدير الكبير ليدقق في التفاصيل، ويؤخّر إنجاز عملنا».

    سألته: بكل صراحة، هل يعتبر مديرك من وجهة نظرك ونظر العاملين معك ممن «يفهم جيداً في تخصصه وعمله الحالي»؟ فقال: لا! هنا اتضحت المشكلة، وهي أن المدير لا يفقه شيئاً في عمله، وهذا ما يجعل تداعيات الخطأ يمتد إلى المدير الكبير على اعتبار أنه مسؤول أمام قائد المؤسسة عن أخطاء العاملين معه.

    مشكلة المركزية أنها شماعة يعلق عليها البعض تقصيره. فكلما قل التواصل الإداري بين الإدارة العليا والموظفين زادت احتمالية تشويه سمعة العاملين في القيادة العليا في نظر المرؤوسين، وذلك بسبب الإشاعات التي يطلقونها على كبار المسؤولين وكأنهم هم السبب الرئيسي في تعاسة العاملين. وكثيراً ما يفاجأ صغار المرؤوسين بمرونة ومهنية الإدارة العليا فور ما تسنح لهم فرصة الاحتكاك بهم.

    عندما قدم عالم الإدارة هنري فايول 14 مبدأ في نظريته الشهيرة الإدارة العامة كان يقصد من خلالها إدخال مفهوم «المركزية» الذي لم يكن شائعاً آنذاك وهو «إلى أي مدى يجب أن يشترك المرؤوسون في اتخاذ القرارات». وهذا ينطبق بطبيعة الحال على المديرين في منتصف الهيكل التنظيمي الذين يعتبرون في نظر المدير الكبير مرؤوسيه (تحته في السلم الوظيفي). وتكمن أهمية مبدأ المركزية أنه جاء في نهايات القرن الثامن، حيث كان فيها عدد الشركات الكبرى في تزايد بعد أن كان محدوداً، وكانت معظم الصناعات ذات طابع بدائي أو يدوي.

    فكانت المركزية مفهوماً في غاية الأهمية حتى لا تتراكم الأخطاء وينفرد المديرون ممن تنقصهم الخبرة أو التريث المهني المحمود في قرارات خطيرة. غير أن هذا المفهوم سرعان ما تحوّل إلى شماعة يعلق عليها البعض أخطاءه أو تراخيه في أداء دوره على أكمل وجه.

    وهناك مشكلة قانونية تواجه بعض المؤسسات العربية في القطاع العام، وهي ما يسمى بأحقية المدير بأن يتقدم برغبته في أن يكون أحد المرشحين لمنصب إداري شاغر حتى ولو كان في غير إدارته أو في إدارة ذات طابع فني بحت! وهذه بحد ذاتها معضلة لأنك ستجد من لا يفقه في أبجديات العمل يديرك، ويعطل الإجراءات، ويتفنن في التسويف إما خشيته أو لعدم فهمه لطبيعة العمل، أو عدم الرغبة في تحمّل تداعيات قراراته.

    المشكلة أن هناك فئة لا تنقصها الشجاعة في كل شيء، لكن هذه الخصلة الحميدة سرعان ما تتحول أحياناً إلى اندفاع وتهور تلقي بصاحبها في أتون التخبط الإداري والمخالفات القانونية.

    الحل باختصار لشماعة المركزية، أن يقوم كل شخص بدوره على أكمل وجه، وأن تعيد الإدارة وديوان الخدمة المدنية النظر الجذري في اللوائح والقوانين، بين حين وآخر، لمزيد من الصلاحيات الإدارية والمالية حتى تساير مؤسساتنا روح العصر، وتسرّع من ديناميكية وسرعة آلية اتخاذ القرار. والمركزية إذا لم يعاد النظر في درجاتها في المؤسسة وواقعيتها، ستبقى عصا في دولاب تقدم المؤسسات العامة والخاصة وازدهار البلد ككل.

     

     

    طباعة Email