قرار في غير مكانه وغير زمنه

لم نشهد على مدى السبع عشرة سنة الماضية منذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003 دعوات تصدر عن جهات رسمية عراقية، تطالب القوات الأمريكية بالخروج سوى في الآونة الأخيرة، فقد أصدر مجلس النواب العراقي في الخامس من يناير الجاري في ضوء مذكرة مُطولة قام بتلاوتها داخل المجلس رئيس الوزراء «المستقيل» عبد المهدي «قرارا» يقضي بخروج «القوات الأجنبية» من العراق، استجابة لمتطلبات تتعلق باحترام «السيادة» العراقية.

وغني عن البيان بأن المستهدف بهذا القرار هي القوات الأمريكية، وقد جاء إثر تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران وقيامهما ببعض الاستهدافات العسكرية المحدودة بينهما داخل الأراضي العراقية. القرار الآنف الذكر من غير أدنى شك قرار «ارتجالي» في غير مكانه وفي غير زمنه، قرار لم يُدرس بعناية، ولم تراع ما له من تداعيات ليس بوسع العراق مواجهتها لثقلها ولضعفه في المرحلة الشائكة، التي يمر بها في ظل وضع أمني قلق وحكومة عاجزة عن مواجهة ثورة شعبية عارمة، توشك أن تطيح النظام السياسي القائم برمته.

القرار أحدث الكثير من اللغط رغم أن من المستبعد أن يُصار إلى تنفيذه، فهناك حضور لقوات عسكرية من جنسيات متعددة في العراق بشكل شرعي، فعدد الدول التي انضمت للتحالف الدولي للقتال ضد تنظيم داعش في العراق بلغ الستين دولة، لبعضها حضور رمزي، ولبعضها الآخر حضور حقيقي، ولكن الحضور الأكثف في هذا التحالف هو الحضور الأمريكي الذي يبلغ تعداده حالياً نحو الخمسة آلاف جندي. وهناك حضور عسكري إيراني غير مباشر ليس من خلال التحالف الدولي، بل من خلال الميليشيات العراقية الطائفية الولائية التي يبلغ تعدادها عشرات أضعاف القوات الأمريكية.

دخلت القوات العسكرية الأمريكية العراق على مرحلتين، أولاها كقوات احتلال عام 2003 شُرع حضورها لاحقاً باعتبارها قوات صديقة في اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008 والتي مهدت لانسحاب معظمها في ديسمبر 2011، وثانيها في 2014 بطلب رسمي من العراق كجزء من قوات التحالف الدولي الذي تزعمته الولايات المتحدة لمقاتلة تنظيم داعش.

هناك تساؤلات حول دستورية القرار الآنف الذكر، فمن قدم مشروع القرار هي حكومة عبد المهدي «المستقيلة» التي تصنف دستورياً حكومة تصريف أعمال وليس حكومة تقديم مشاريع قوانين أو قرارات، وهناك طعونات حول صلاحية مجلس النواب بإصدار قرارات، لأن مهامه وفق الدستور تنحصر في شقين تشريعي ورقابي، إضافة إلى طعون أخرى صدرت من العديد من أعضاء المجلس، تتعلق بتعرضهم للضغوطات والتهديد للحضور من أجل اكتمال النصاب.

قرار مجلس النواب لم يكن قراراً عراقياً بل كان قراراً فئوياً، أول من أشار إلى ذلك صراحة هو رئيس المجلس نفسه في كلمة تحذيرية مسؤولة بُعيد اتخاذه مباشرة حُجبت عن وسائل الإعلام في حينه لحساسية دلالاتها، فقد قاطع النواب الكرد والنواب السنة ونواب الأقليات الاجتماع رفضاً للقرار المطروح، وتقديراً لخطورة تداعياته في حالة التنفيذ.

القرار يفضح صدقية ادعاءات بعض النخب السياسية التي طالما رددت أن العراق ينبغي أن يبقى بعيداً عن سياسات المحاور الإقليمية، فهي لم تعد تخفي نزعتها الانتقائية في صياغة مواقفها السياسية وازدواجية تعاملها مع مفهوم «السيادة» وانحيازها الصريح في سياق الصراع الدائر بين واشنطن وطهران إلى الجانب الإيراني، متجاهلة ما يلحقه موقف انحيازي كهذا بمصداقيتها في طرح برامج وطنية، وما يلحقه بمصالح العراق من ضرر.

هذه النخب بحاجة لتبني مواقف أكثر حصافة في التعامل مع ملفات ذات أهمية، تتجاوز الواقع المحلي والإقليمي، على رأسها ملف الإرهاب والأهمية الكبيرة للتحالف الدولي في مواجهته بعيداً عن التأثر بإملاءات سياسية إقليمية وضغوطات ظرفية طارئة، وبعيداً عن دعوات الانعزال والخروج على إجماع الأسرة الدولية.

انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وإلغاء الاتفاقية الأمنية معها له تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية، ينبغي أن تدرس بعناية، فالولايات المتحدة لم تخفِ موقفها غير الودي من هذا القرار، ولوّحت بما في إمكاناتها من قدرات لمواجهته، فهناك من غير شك أضرار كبيرة ستلحق بالعراق خاصة في هذه المرحلة العاصفة، التي يمر بها، والتشظّي الذي تشهده ساحاته، والعجز في الخروج من أزمته السياسية الراهنة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات