هاري وميجان والسياسة البريطانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

خرجت الدولة البريطانية من الاتحاد الأوروبي، ونجح بوريس جونسون ورفاقه في حزب المحافظين البريطاني في تنفيذ «البريكسيت» لكي تكون بريطانيا دولة عظمى مرة أخرى قد تكون طبيعتها «أطلنطية»، «أنجلو ساكسونية» أكثر منها أوروبية، ولكنها في كل الأحوال سوف تكون لها نكهة ملكية بريطانية محافظة على التقاليد والعادات والأعراف.

وربما كانت قصة العام الماضي كله فيها من موضوع الخروج البريطاني الكثير، مرت فيها المملكة المتحدة بانتخابات عدة، وثلاثة رؤساء للوزارة، وانشقاقات وانقسامات داخل الأحزاب، وبين أصحاب التيار السياسي الواحد، أو حتى داخل مكونات الاتحاد بين إنجلترا في جانب وأسكتلندا في جانب آخر، وفي الإعلام والرأي العام، وحتى داخل الأسرة الإنجليزية الواحدة.

وفي داخل تيار «البريكسيت» كان هناك من يريدونه خروجاً ناعماً يبقي علاقات وتفاعلات، ومن يريدونه خشناً وكأنه طلاق لا لقاء بعده.

انتهى الأمر، وما بعد كل ذلك تفاصيل للخروج، وتفاصيل أخرى للمنافع المشتركة، وبين هذا وذاك يخرج رئيس الوزراء عن الإجماع الأوروبي بمطالبة العودة مرة أخرى بعيداً عن الصفقة النووية مع إيران وفي اتجاه «صفقة ترامب» الجديدة.

أصبحت بريطانيا حرة تفعل ما تريد غير مرتبطة بتحقيق توافق أوروبي لا يحرك شيئاً من الأوضاع ولا يقيم أمراً من الأمور.

وسط ذلك كله من عواصف فإن أساس الدولة، التاج، بقي على حاله محققاً ما استقر عليه الفكر السياسي من فوائد النظم السياسية الملكية، حيث تظل الدولة دوماً مجسدة في شخص الملك والأسرة المستقرة ورمز بقاء وديمومة واستمرارية الوحدة السياسية.

السياسيون بعد ذلك معنيون بالشؤون العامة التي ينقسم حولها الناس بحكم طبيعة الأشياء والظروف والتوجهات السياسية، ولكن الملك أو الملكة في الحالة البريطانية، يبقي اللحمة التي يلتقي عندها الجميع ساعة الانقسام والاختلاف.

ولعل الأقدار لم تكن رحيمة ببريطانيا عندما تواكبت أزمة ملكية مع الأزمات والانتخابات والاستطلاعات المتعددة، التي توالت مع انقسام «البريكسيت».

ما حدث أن الأمير هاري، وريث العرش البريطاني السادس، قرر مع زوجته ميجان التخلي عن واجباتهما الملكية، من ثم التخلي عن العلاقة المباشرة مع الدولة التي تعطيهما مقابل وتكلفة القيام بهذه الواجبات.

الأسباب باتت الآن معروفة وهي أن الأمير، دوق ساسكس، مع الأميرة دوقة ساسكس، يريدان لزواجهما الاستمرار، لتربية الأمير «آرشي» ابنهما الوليد، ومن سوف يتلوه من أحفاد للأسرة المالكة.

هاري الذي مر بالظروف الصعبة لوفاة والدته «أميرة القلوب» ديانا في حادث كان نتيجة مطاردات مستمرة من الإعلام، لم يكن مستعداً لتكرار هذا الأمر مرة أخرى نتيجة الاهتمام الزائد من الإعلام البريطاني والغربي، بل والعالمي الزائد به وبزوجته النجمة السينمائية السابقة.

كان في الأمر اختبار جديد للأسرة الملكية البريطانية، في وقت كانت فيه بريطانيا واقعة تحت اختبار تاريخي جديد لكي تعرف نفسها من جديد، وهي الدولة صاحبة الاقتصاد الخامس في العالم لكي تكون قوة عالمية جديدة بجوار الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا التي باتت المتحدث الجديد باسم أوروبا.

ولم يكن ما بدا كما لو كان خروجاً جديداً على تقاليد الأسرة وتمثيلها للدولة في الحياة العامة، ما يمكن للصحافة البريطانية أن تتخلى عن استغلاله.

ولكن الحقيقة أن الملكة إليزابيث التي أصبح لها رصيد سبعين عاماً تقريباً كونها رمزاً للتاج البريطاني العريق باتت متمرسة على مثل هذه المواقف؛ فقد عرفتها من قبل عندما قامت فجوة بينها وبين الأمير فيليب زوجها خلال الخمسينيات، وبعد ذلك عندما تزوجت الأميرة مارجريت أختها من مصور لم يحسن القيام بواجباته كونه فرداً في الأسرة الملكية، وعندما ظل ولي العهد الأمير تشارلز على حبه لزوجته الحالية كاميلا حتى بعدما تزوج من أم أولاده «ديانا»، والتي أنجبت له الأميرين ويليام وهاري.

التجربة أكسبت الملكة الكثير من الحكمة الواعية أولاً أن أعضاء الأسرة الملكية هم في الأول والآخر بشر، لهم ما لدى البشر من مخاوف ونزعات وطموحات وحظوظ عثرة أحياناً. وثانياً أن الزمن في الأول والآخر يتغير، ولم يكن حال الملكة والملكية الإنجليزية كسابق العهود والأزمان.

وثالثاً أن مهمتها كونها ملكة هي أن تبقي شعلة المُلك مضيئة لبريطانيا كلها؛ وفي خطابها إلى هاري وميجان أكدت أنه من حقهما التنازل عن واجباتهما الملكية، ولكنهما سوف يبقيان دوماً أمراء أعضاء في الأسرة الملكية.

طباعة Email