التوسع وليس الأمن

في يونيو 1967 احتلت إسرائيل أراضي عربية، تعادل تقريباً أربعة أمثال مساحتها المعروفة منذ عام 1948، وأعلن قادة إسرائيليون عن نيتهم في تعديل حدود دولتهم بضم أجزاء من الأراضي التي احتلوها.

هذا السيناريو أزعج كثيراً من الدول، ولاسيما في أوروبا، مخافة إقرار تقليد مثير للصراعات؛ خلاصته قيام دولة ما بالتوسع وتغيير حدودها على حساب دولة أو دول أخرى بالجوار، باستخدام القوة المسلحة.

بصيغة أخرى، قارب بعض النابهين نتائج حرب 1967، وفي خواطرهم أن التدافع على الموارد وأطماع التوسع وإعادة رسم خرائط الحدود الوطنية ومزاعم المجال الحيوي، تسمح بإشعال حروب لا أول لها ولا آخر. وسواء جاء ذلك التقدير العقلاني عن مراعاة لمنطق العدل والحق وشرعنة القانون الدولي، أم كان تحسباً من انتقال عدوى الفعلة الإسرائيلية إلى عوالم أخرى، فإنه يبقى تقديراً صحيحاً.

ففكرة تعديل حدود الدول المتجاورة بالقوة، تحت أي ذريعة، تحمل في طياتها نذيراً بالشؤم والاحتراب والخراب العاجل أو الآجل.

غير أن أكثر الدعاوى والحجج صفاقة واستحماقاً على الخلق، في إطار الأخذ بهذه الفكرة، هي تلك التي تتذرع بمفهوم الحدود التي يمكن الدفاع عنها، على غرار ما يردده متنفذون إسرائيليون دون ملل على مدار الساعة.

عموماً، كان يمكن لهذا الزعم أن يلقى بعض التفهم في الأزمان الغابرة؛ وقت أن كانت أسلحة الهجوم والدفاع تقوم على السيوف والرماح أو حتى المجانيق، التي يتوسل بها مقاتلون يركبون الخيل والبغال والجمال والحمير!.. فقد كانت بضعة كيلومترات، وأحياناً عشرات أو مئات الأمتار، تفصل بين المتحاربين، تؤثر ملياً على مجريات المعارك أو مستوى أمن هذا الطرف أو ذاك.

أما في زمننا هذا، الزاخر بأدوات الرماية والتدمير من البر والبحر والفضاء؛ عن قرب وعن بعد، مهما كانت المسافات والمساحات والدفاعات الطبيعية والاصطناعية، فإن على الإسرائيليين أن يقدموا للمعنيين عرضاً أكثر معقولية، لما يقصدون بالحدود التي يمكن أو لا يمكن الدفاع عنها !.

مثلاً، كيف لضم منطقة الحرم القدسي، بل ولمستوطنات في الضفة، يقع بعضها على مرمى النظر من حدود 1967، أن يعزز أمن هذه الدولة التي يقال إنها تستعد لاحتمال مهاجمتها من دول تبعد عنها بأكثر من ألف كيلومتر؟ من هو العسكري المحترف أو رجل الفكر الاستراتيجي، الذي سيدخل في روعه أنه بتحريك إسرائيل لحدودها قليلاً إلى الشرق أو الشمال أو الجنوب، سيمسي أمنها أكثر قوة ومنعة مما كان عليه قبل 1967 ؟.. وما علاقة الحدود القابلة للدفاع عنها لدى إسرائيل باتخاذ القدس عاصمة أبدية موحدة لها؟.

في حروبها العدوانية خلال العقدين الأخيرين، تلقت إسرائيل ضربات، أجبرت سكانها على النزوح الجماعي نحو الجنوب أو الشمال. فلماذا لم تتكفل القدس الموحدة وبقية المستوطنات ومساحة الجولان، بتوفير الأمن لأولئك النازحين؟. ولقد انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان ثم من قطاع غزة، ليس لأنهما فشلا في أن يوفرا لها حدوداً يمكن الدفاع عنها، وإنما لأنهما لم يهيئا لها احتلالاً واستيطاناً آمناً.

من تجاربهم المريرة مع أغراض التوسع؛ المغلفة بدعاوى الحدود الآمنة والمجالات الإقليمية الحيوية انتهى الأوروبيون إلى أنه ليس بضم الألزاس واللورين إلى فرنسا أو إلى المانيا، تتحقق الحدود الآمنة لهاتين الدولتين..وفهموا أيضا أن هذه الحدود غير مرتهنة بمراكمة الأسلحة والعتاد الحربي وخطوط النار العصية على الاختراق (مثل خط ماجينو).

لقد أيقنوا، بعد أن دفعوا ثمناً باهظاً من الأنفس والثمرات، أن الأمن معلق باحترام حقوق الشعوب وأشواقها إلى الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وفي الانصياع لإرادة القانون الدولي وحقوق الإنسان. وهذه بالضبط هي القناعة أو الوصفة السحرية، التي يتحتم على إسرائيل العمل عليها والعيش في إطارها، لتضمن لذاتها الاستقرار والسكينة.

هناك الكثير جدا من الحيثيات والدفوع الكفيلة بدحض نظرية التوسع الإسرائيلي؛ المختفية وراء حقيقة المساحة الضيقة. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً، أو الذي يستحق التأمل في محيط العلاقات الدولية: ترى ما سيكون عليه المشهد الدولي، فيما لو أن الدول المنمنمة أو حتى كبيرة المساحة في عالمنا الراهن، أصغت للمنطق الإسرائيلي المنكود وراحت تصوغ نظرياتها الأمنية بناء عليه ؟!.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات