الحل في ليبيا يبدأ بحل الميليشيات

من دون حل الميليشيات الموجودة في العاصمة الليبية طرابلس ومصراتة، وبعض مدن غرب ليبيا، و«تفكيك الثقافة الميليشياوية»، فلن يكتب النجاح لأي اتفاق سلام، أو وقف حقيقي لإطلاق النار في ليبيا الشقيقة.

فكرة الميليشيا هي أصلاً نقيض الدولة والوطن، ولا يمكن للاثنين أن يتعايشا معاً.

بعض بلدان الوطن العربي ابتليت في السنوات الأخيرة بفيروس وسرطان الميليشيات، التي نشأ بعضها بعلم الدولة أو موافقتها أو حتى غصباً عنها، وبعضها الآخر، تمرد وانشق ويحارب الدولة الوطنية، مثل ميليشيات وتنظيمات داعش والنصرة وغيرهما. بعض الميليشيات تأسست بدوافع نبيلة، لكنها انتهت لتكون دويلة داخل الدولة!

الميليشيات الليبية ليست جسداً واحداً، بعضها إرهابي عتيد، وبعضها أيديولوجي متطرف، وبعضها إجرامي مافياوي، وبالتالي فإنه يستحيل أن تكون هناك دولة وطنية تملك قرار نفسها، في ظل وجود هذه الميليشيات، بل يستحيل أيضاً أن تتعايش هذه الميليشيات معاً، حتى لو كانت وحدها في الساحة!

نتذكر جميعاً أنه قبل عامين، نشبت معارك دامية بين هذه الميليشيات الليبية على الأرض والنفوذ والأموال، خصوصاً عائدات النفط. نتذكر أيضاً أن بعض هذه الميليشيات قام بخطف كبار المسؤولين في الحكومة، وبعض كبار قادة أجهزة الأمن، بل وتم خطف رئيس وزراء سابق!

نتذكر أيضاً أن الحكومة التي يقودها فايز السراج صارت رهينة في معظم قراراتها لهذه الميليشيات، لسبب بسيط، أنها هي من تحمي الحكومة! حكومة السراج لا تملك جيشاً حقيقياً، وجيشها هو هذه الميليشيات، وحينما تعرضت لهزائم ميدانية متوالية في الأسابيع الأخيرة، سواء في جنوب طرابلس، أو مدينة سرت، سارعت إلي طلب الحماية من تركيا، التي استغلت الموقف، وبدأت بالفعل إرسال عناصر مسلحة إليها. عناصر ليسوا جنوداً نظاميين، بل، وكما قال المسؤولون الأتراك أنفسهم، مرتزقة يحاربون مع الميليشيات التي تقاتل الحكومة السورية!

السؤال الجوهري: كيف يمكن توقيع اتفاق وقف إطلاق نار، أو اتفاق سياسي حقيقي ودائم في ليبيا، في ظل وجود هذه الميليشيات؟!

إذا تم ذلك، فهو إضفاء لشرعية دولية وقانونية وأخلاقية علي هذه الميليشيات، ودمج عناصرها لتصبح هي البديل الفعلي للجيش الوطني، والأخطر أن قادة هذه الميليشيات، - وبعضهم يفترض أن يحاكم بتهمة جرائم الحرب- سيصبحون كبار المسؤولين في ليبيا.

نعم، يمكن تفهم مطالبة المجتمع الدولي، بوقف النار حقناً للدماء، لكن لا يمكن فهم سر اندفاع قوى كبرى كثيرة لإضفاء الشرعية على حكومة الميليشيات الموجودة في طرابلس.

نفهم أيضاً أن يتم وقف إطلاق النار والبحث عن حل سياسي، لكن لا بد أن يسبق ذلك الاتفاق على تفكيك هذه الميليشيات، وطرد العناصر غير الليبية. وبعدها يمكن بحث كل حالة على حدة، كمقدمة لدمج العناصر الصالحة في الجيش الوطني بعد إعادة تأهيلها.

لكن لو تم الاتفاق بالصورة التي تسربت من موسكو يوم الاثنين الماضي، عقب مباحثات الروس مع كل من خليفة حفتر وفايز السراج ــ كل على حدة ــ فهي محاولة لشرعنة هذه الميليشيات. كان هناك نص غامض يتحدث عن «نزع سلاح بعض الميليشيات»، ولا نعرف كيفية تفسير هذا النص، ولمن سوف تسلم الأسلحة، وما هو مصير أعضائها؟!

كما أن معظم ما تسرب عن هذا الاتفاق ليس واضحاً أو حاسماً، وكأنه وصفة لإعادة إنتاج المأساة والحرب مرة أخرى بعد أسابيع أو شهور، خصوصاً أن حكومة طرابلس صارت فعلياً تحت رحمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. من أجل كل ذلك غادر المشير خليفة حفتر موسكو مساء يوم الاثنين الماضي، من دون أن يوقع على مسودة اتفاق وقف إطلاق النار، الذي وقع عليه السراج وأنصاره من جماعة الإخوان.

القراءة السريعة لمسودة الاتفاق تقول إن هدفها هو إجهاض الانتصارات الميدانية، التي حققها الجيش الوطني الليبي خصوصاً بعد دخوله سرت وتقدمه في طرابلس، وإعادة تعويم حكومة الميليشيات في العاصمة.

وما لم تحدث معجزة وتدخل دولي فاعل ينزع أسس المشكلة، خصوصاً الميليشيات والتدخل التركي، فإن الأمر مرشح للانفجار في أي وقت.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات