كل هذا العنف المجنون

العنف المجتمعي في الدول المتقدمة يستحق الدراسة، خصوصاً حين يكون عنفاً عشوائياً أو قتلاً جماعياً. فهو صار ظاهرة لافتة حتى في المجتمعات التي لم تعرف معدلات عالية للجريمة والعنف في العقود الأخيرة.

الولايات المتحدة تعد هي الاستثناء من تلك القاعدة بين الدول المتقدمة. فنظراً لقوانينها الخاصة باقتناء السلاح وحمله، والتي تسمح بامتلاك المدنيين الأفراد لأعداد هائلة من السلاح، فإن الولايات المتحدة هي الأعلى من بين الدول المتقدمة من حيث عدد الأفراد الذين يموتون سنوياً بفعل استخدام السلاح، سواء أكانت جراء جرائم عنف فردي أو قتل جماعي.

اللافت للانتباه، أن الإحصاءات تشير، حسب مؤسسة بيو، إلى أنه لا يفوق الولايات المتحدة في تلك النسب إلا بعض دول أمريكا اللاتينية التي تعاني بشكل خاص من العنف المسلح واسع النطاق مثل جواتيمالا والسلفادور وكولومبيا. وقد تزايدت أعداد الذين يقتلون بالأسلحة المملوكة للأفراد في أمريكا في الأعوام الثلاثة الماضية لأول مرة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.

أما جرائم القتل الجماعي. فعلى سبيل المثال، أشارت صحيفة نيويورك تايمز أخيراً إلى أنه «بمعدل مرة كل أسبوع، تحدث جريمة إطلاق نار عشوائي في مدرسة ما بالبلاد»، كان آخرها بالمناسبة واقعة إطلاق النار بمباراة لكرة السلة لمدرسة ثانوية بمدينة دالاس. هذا ناهيك عن جرائم القتل العشوائي التي لا تستهدف المدارس وإنما تجمعات أخرى مختلفة مثل المتاجر أو دور العبادة.

غير أن المسألة لم تعد تقتصر على الولايات المتحدة. فخلال الأسبوع الماضي، عادت للصدارة واقعتان مروعتان جرت وقائعهما منذ أربعة أعوام.

ففي ألمانيا، تم الإعلان عن وفاة شاب بعد أربعة أعوام كاملة من الموت البطيء بعد أن ظل أحد زملائه يدس له السم في الطعام لفترة ممتدة. وكانت وفاة الشاب هي آخر فصول مأساة تعرض لها العاملون في إحدى الشركات الكبرى، حيث كان زميل لهم، يبلغ من العمر السابعة والخمسين، يدس لهم السم في مأكولاتهم ومشروباتهم.

ومرتكب الجريمة كان قد تم القبض عليه عام 2018 بعد أن أظهرت كاميرات المراقبة أنه يدس بودرة بيضاء تبين عند تحليلها أنها تحتوي على الرصاص والزئبق.

وكان البحث الجنائي الذي أدى للقبض على الرجل قد جاء بعد وفاة حوالي 21 شخصاً من العاملين بالشركة بشكل غامض في فترة قصيرة، بينما تعرض آخران لفشل كلوي. وقد انتهت المحاكمة بصدور حكم بالسجن مدى الحياة.

ولم يظهر حتى الآن دافع محدد لارتكاب الجريمة المروعة. إلا أن الرجل قال أثناء التحقيق إنه كان يريد مراقبة فعل السم الذي يدسه على زملائه. وهو سبب غير مفهوم يستحق الدراسة من جانب علماء النفس والاجتماع لجريمة تمت بدم بارد وعلى مدار فترة طويلة.

ولا يقل ترويعاً عن تلك الجريمة ما جرى في اليابان، صاحبة المعدلات الأقل للجريمة بين كل الدول المتقدمة. ففي عام 2016، قام شاب باستخدام سكاكين عدة بقتل وجرح العشرات من المرضى النفسيين في مصحة. فهو قتل 19 وجرح 26 آخرين ثم سلم نفسه للشرطة قائلاً إنه قدم خدمة للمجتمع.

فهو قبل ارتكاب الجريمة كان قد عبر أكثر من مرة عن موقفه ذلك، بل كتبه في خطاب وجهه لرئيس مجلس النواب الياباني قال فيه إنه يسعى لقتل «كل من لديهم إعاقة لأنهم لا يستحقون الحياة».

وقال بعد تسليم نفسه إن «الذين لديهم إعاقة تمنع التواصل ليسوا بشراً»، وإنهم «بلا قلب ولا معنى لحياتهم». وما أعاد القضية للصدارة أن الشاب في محاكمته بدا عليه أخيراً، ولأول مرة، بعض علامات الندم على ما فعل.

وأخطر ما في حالات البلدان الثلاثة هو ارتفاع نسب القتل الجماعي. ففي واقعتي ألمانيا واليابان، وجهت الجريمة لعدد كبير من الأفراد لا يوجد بينهم وبين مرتكب الجريمة عداوة، ومع ذلك كانت كل منهما تنطوي على عنف مدبر ومتعمد. ألا يدل كل ذلك على أننا صرنا نعيش في عالم على شفا الجنون؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات