خلاف العسكر والقضاة في باكستان حول «مشرف»

للمرة الأولى يحكم القضاء الباكستاني على زعيم عسكري سابق بالموت شنقاً، بتهمة الخيانة العظمى في بلد أمضى نصف تاريخه تحت حكم الجنرالات.

المعني بالحكم هو الجنرال المتقاعد برويز مشرف، الذي وصل إلى السلطة عام 1999 على أثر نجاح انقلابه على الحكومة المدنية المنتخبة بقيادة رئيس الوزراء السابق نواز شريف، وظل ممسكاً بمقاليد الحكم مذاك وحتى تاريخ استقالته سنة 2008 وخروجه إلى المنفى الاختياري تحت ضغوط داخلية وخارجية مورست عليه.

خلال سنوات حكمه، ارتكب الرجل أخطاء كثيرة، كما يردد المواطنون البسطاء الذين يعتقدون أنه أرجع البلاد إلى الخلف، وأن التخلص منه بالإعدام سيكون درساً لكل عسكري يفكر مستقبلاً في إيقاف عجلة الديمقراطية، لكن أخطاء مشرف- من وجهة نظري الشخصية كوني متابعاً مستقلاً- لم تكن أكثر فداحة من تلك التي اقترفها من سبقوه من جنرالات حكموا البلاد، ولا سيما الجنرال ضياء الحق الذي حكم ما بين عامي 1977 و1988، الذي شهدت حقبته إصراره على شنق أحد أهم ساسة البلاد المدنيين في التاريخ المعاصر، ذوالفقار علي بوتو.

وإذا ما أكدنا أمراً يعرفه الجميع ولا يحتاج إلى أدلة وبراهين، وهو أن جنرالات المؤسسة العسكرية لهم الكلمة الفصل في أحوال البلاد حتى في الحالات التي تكون فيها باكستان في عهدة حكومات مدنية منتخبة، فإنه من الطبيعي، والحالة هذه، ألا تستسيغ المؤسسة العسكرية النافذة صدور حكم بإعدام أحد جنرالاتها الكبار، فما بالك لو كان هذا الجنرال هو برويز مشرف، الذي خدم الجيش لمدة 40 عاماً، أبلى خلالها بلاء حسناً في كل الحروب، وحكم البلاد باسم المؤسسة العسكرية لنحو عقد من الزمن، خاض فيه أيضاً الحروب من أجل الوطن، وتحمل في الوقت نفسه تبعات الضغوط التي مورست على إسلام آباد من قبل الحليف الأمريكي غداة أحداث 11 سبتمبر الإرهابية.

من هنا يمكن فهم ردود أفعال الجيش الباكستاني، ومعها ردود أفعال الحكومة المدنية بزعامة عمران خان (الذي كان في عهد مشرف من أشد منتقديه) حيال الحكم، الذي أصدرته إحدى المحاكم الباكستانية الخاصة غيابياً بإعدام مشرف كعقوبة له على جرائم شملت خيانة الوطن، وتعليق العمل بمواد الدستور، وإعلان حالة الطوارئ، خصوصاً أن الحكم تضمن نصاً يقول إنه في حال موت مشرف طبيعياً قبل إعدامه، فإن على السلطات أن تستعيد جثته وتعلقه لمدة ثلاثة أيام في العاصمة.

وقد تراوحت ردود الأفعال هذه بين الرفض والتنديد والتشكيك في صحة إجراءاته والتعجل في إصداره. ولعل أقواها بيان من الناطق الرسمي باسم الجيش جاء فيه أن الحكم الصادر«تسبب في الألم والحزن لمختلف منسوبي القوات المسلحة، واعتقادنا هو أن الإجراءات القانونية السليمة والواجب اتخاذها قد تم تجاهلها».

وبطبيعة الحال، ليس من المتوقع أن يطبق الحكم لأن مشرف يعيش خارج البلاد، ولا ينتظر أن يعود من تلقاء نفسه، ليسلم رقبته إلى حبل المشنقة، إذ يكفيه ما عاناه حينما قرر أن ينهي وجوده في منفاه الاختياري عام 2010 ويعود إلى وطنه للمشاركة في الانتخابات العامة لسنة 2013 على رأس حزب سياسي شكله تحت اسم «رابطة عموم مسلمي باكستان»، فبدلاً من أن تسمح له السلطات بممارسة حقوقه السياسية كأي مواطن باكستاني آخر، اقتيد من المطار إلى الإقامة الجبرية، التي لم يخرج منها إلا عام 2016 عندما استجيب لطلبه بمغادرة البلاد للاستشفاء في الخارج.

وقد تخللت فترة إقامته الإجبارية صدور أحكام ضده بمنعه من الترشح لأي انتخابات قادمة، واتهامه بالتورط في اغتيال رئيسة الحكومة السابقة بي نظير بوتو.

والحال أن الود المفقود أصلاً بين المؤسستين العسكرية والقضائية الباكستانيتين، منذ رفض الثانية اقتراحاً من الأولى بتمديد خدمة رئيس أركان الجيش الجنرال قمر جاويد باجوا إلا في حالة موافقة البرلمان، يزداد اتساعاً، وكأنما التاريخ يعيد نفسه، ففي عهد مشرف اصطدم العسكر بالقضاء أيضاً وذلك حينما أعفى مشرف كبير القضاة «افتخار محمد تشودري» سنة 2008 من منصبه، فما كان من المؤسسة القضائية إلا أن نفذت حملة احتجاجات واسعة تصدرها المحامون والقضاة للإطاحة بالجنرال وإخراجه من السلطة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات