الجذور الواحدة لكل أشكال العنصرية

الضجة التي واجهتها «نيويورك تايمز» أخيراً تكشف عن الآليات المتناقضة التي يستخدمها البشر عند تناول المفاهيم المختلفة. فأزمة «نيويورك تايمز» كانت مع الكثير من قرائها الذين دعوا لمقاطعتها بسبب مقال رأي نشره الكاتب، بريت ستيفنز. وستيفنز كاتب يميني، كان يعمل في «وول ستريت جورنال» قبل انتقاله إلى «نيويورك تايمز».

ومقال ستيفنز، الذي أثار الجدل، كان عنوانه «السر وراء العبقرية اليهودية»، وفيه تساءل «كيف يمكن لمن لا يشكلون إلا الثلث من الواحد بالمائة من سكان العالم أن يسهموا بهذا الشكل الفذ في إنتاج أهم الأفكار والإبداعات». والإجابة عند ستيفنز كانت أن «اليهود أذكياء أو يميلون لأن يكونوا أذكياء».

وهو في ذلك استشهد بدراسة كتبها اثنان من الأكاديميين ونشرت عام 2005، زعمت أن اليهود الإشكناز بالذات لديهم أعلى نسبة ذكاء من بين كل الجماعات الأثنية. ويستخلص ستيفنز من ذلك أن «اليهود ربما يكون لديهم مزية بالمقارنة بأقرانهم من غير اليهود تجعلهم يفكرون بشكل أفضل، لكن ما يميزهم هو أنهم يفكرون بشكل مختلف».

ثم ذهب لما هو أبعد من ذلك بقوله إن القضية لها علاقة بالدين نفسه. «ففي العقيدة الدينية، على عكس الآخرين، مطلوب من المؤمن ليس فقط أن يعبد ويطيع وإنما لأن يناقش ويختلف». وهي أفكار أثارت جدلاً كبيراً ورفضها الكثير من اليهود الأمريكيين أنفسهم.

وما يلفت الانتباه في الضجة التي أثارها ستيفنز أن أكثر الجدل لم يكن منصباً على ما قاله الرجل عن تفوق اليهود، وإنما انصب على الدراسة التي استشهد بها. فواحد من الذين كتبوا الدراسة، التي نشرت في مجلة اسمها «علم تحسين السلالة البشرية»، كان هنري هاربيندينغ.

وهو ممن كانوا يؤمنون بأفكار ذلك العلم المزيف، الذي كان في حقيقته منظومة من الأفكار العنصرية التي منحت نفسها زوراً اسم العلم. وكان تحسين السلالة البشرية فيه يستخدم للترويج لدونية غير البيض بأمريكا. أما هاربيندينغ نفسه فكان عمله الأكاديمي يخفي وراءه، كما قال الكثيرون، عنصرية لا تخطئها العين ضد سود أمريكا تحديداً، وكان يحظى بشعبية طاغية وسط منظمات التفوق الأبيض.

وفور بروز دعوات مقاطعة «نيويورك تايمز»، اضطرت الجريدة لحذف الإشارة لتلك الدراسة من المقال، وقالت في بيان لها إن الكاتب أعطى انطباعاً غير مقصود بأنه يدعم فكرة «التفوق اليهودي».

والحقيقة أن مقال ستيفنز فيه ما يثير جدلاً بالقدر نفسه الذي أثاره الاستشهاد بهنري هاربيندينغ. فمن يقرأ المقال كاملاً يجده مرتبكاً لحد كبير. فبعد أن وصل الرجل لخلاصة تؤكد ذكاء اليهود بالمقارنة بغير اليهود، عاد في نهاية مقاله ليشير إلى أن القضية هي البيئة الأوروبية الأمريكية المتميزة التي تسمح لليهود مثل غيرهم بالتميز.

والفكرتان المتناقضتان في المقال نفسه تستحقان النقد. فالمفارقة في الفكرة الأولى التي تزعم «تفوق اليهود» بالمطلق تقوم على المنطق نفسه الذي تقوم عليه أفكار معاداة السامية. فمعاداة السامية في الأصل هي معاداة اليهود كلهم وبالمطلق لأنهم يهود، لا لأحدهم أو بعضهم بسبب فعل أو جرم. وهو الجوهر نفسه الذي تنبني عليه كل الأفكار العنصرية تجاه أية جماعة من البشر.

فالعنصرية ضد السود تتبنى فكرة «دونية كل السود» بالمطلق، لا لشيء سوى لون بشرتهم، وهكذا. وأفكار ستيفنز تقوم على المنطق نفسه. فهي تؤكد «تفوق اليهود» لا لسبب إلا لكونهم يهوداً وبالمطلق أيضاً.

أما فكرته الثانية، سواء أكانت ذكاء الإشكنار تحديداً أو الأوروربيين والأمريكيين عموماً، فتحمل لمحات عنصرية تجاه قطاعات واسعة من البشرية، من غير الأوروبيين والأمريكيين، بمن فيهم، بالمناسبة، اليهود الشرقيين.

غير أن اللافت للانتباه أن تمييز ستيفنز للإشكناز عن اليهود الشرقيين في الذكاء، لم يلقَ، في حدود علمي، أي اهتمام حتى ممن انتقدوا ستيفنز من اليهود الأمريكيين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات