العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    صناعة كل الأشياء

    بات تعبير «إنترنت كل الأشياء» تعبيراً شائعاً عن شبكات الاتصال القائمة بين كل شيء في العالم، حيث يمكن التعرّف على الأشياء بقرون الاستشعار كتلك الموجودة في السيارات التي بلا قائد، والأفراد باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهم يدخلون أو يخرجون من مطارات العالم، وكل ذلك مرتبط بتقديم منتج أو خدمة، سلعة أو رسالة.

    كل من يستخدمون التعبير يعتبرونه نقلة كبيرة عن عصر سبق كانت الصناعة فيه صناعة، تقوم على خطوط الإنتاج المعروفة، والتي تقدمت عبر الثورات الصناعية المختلفة، ولكنها ظلت من حيث الجوهر تنقل مواد أولية بعينها، وتحولها إلى سلعة أو ناتج.

    الصناعة ذات طابع تحويلي لا يصير القمح بعده قمحاً وإنما يتحول إلى طحين، ولا يصير خام الحديد على حاله وإنما يصير كتلاً من حديد، وهذه تصير أسياخاً للبناء أو يتم طرقها فتصير أجساداً لسيارات، ولا يبقى «البوكسيت» على حاله وإنما يصير ألمنيوم تراه في شباك منزلك أو في إناء طعام.

    هذه الطبيعة التحويلية للصناعة باتت مفهوماً أكثر اتساعاً بكثير من تغيير طبيعة المواد الأولية الموجودة في الطبيعة سواء أكانت مواد زراعية أو معادن أو حتى مواد جرى تخليقها فتصير هذه أجساداً لطائرات تستطيع اختراق الرادار طالما أنه لا يوجد لها «بصمة» طبيعية يمكن اكتشافها أو ترصدها الأقمار الصناعية. هي كما سمّيت شبحاً له قدرات فائقة السرعة، وقوة تدميرية هائلة.

    النتيجة أن الصناعة بات مفهوماً أنها أكثر منها عملية لتحويل الأشياء، فيتحدث كثيرون عن صناعة السياحة، وهذه لا تدخل فيها مواد أولية إلى مواقد الصهر، وإنما يجري فيها استخدام مركز للاهتمام قد يكون معبداً أو مقبرة، أو شاطئاً أو مركزاً للتسوّق، أو حدثاً من الأحداث العظمى التي يحلم البشر بمشاهدتها، وساعتها يصير الأمر صناعة.

    فالمركز الجاذب للبشر هو بالضرورة مكان للطعام وهو صناعة، ووكالات السفر والمطارات وهذه صناعة أخرى، وهو سوق والأسواق لم تعد مجرد أمكنة للبيع والشراء وإنما هي أيضاً صناعة للتجول والمشاهدة وتلاقح الثقافات وهي أكبر صناعات العالم المعاصر، وهي مكان للسمر والسهر وكلاهما صناعات متعددة ومتشابكة.

    الجديد في أمر العالم أن خلق صناعة من تشابكات عدة بلغت من الكثافة ما يجعلها سوقاً أصبحت قفزة كبيرة في فكرة الصناعة ذاتها، المطارات مثلاً خلقت لكي تكون مواطن للسفر، والحل والترحال، وفي بدايتها كانت طائرات، وأماكن للانتظار؛ كانت تطويراً عصرياً للخان القديم الذي كان يأتي إليه المسافر على حصانه أو جمله لكي يستريح من عناء السفر ثم يستأنف الرحيل.

    المطارات الآن لم تعد كذلك، هي مدينة كبيرة تعج بالبشر، وسوق عظيمة تمتلئ بالتسوق، والمطاعم التي تقدم الطعام، والمقاهي التي تقدم الإنترنت أو يقوم فيها رجال الأعمال بأعمالهم مستفيدين من «الواي فاي» المجاني، فبعض المسافرين لا يستطيع الصبر حتى يصل إلى محطة قطاره التالية.

    ما جرى للمطارات حدث في محطات السكك الحديدية، وبعضاً من مراكز السفر أو طرقه الطويلة بالسيارات أو الباصات؛ ولكن المدهش الجديد حقاً فهو الجامعات التي يذهب فيها الطلاب لكي يتلقوا العلم، فإذا هي الأخرى لا يوجد فيها مكتبات فقط أو دور عرض للأفلام السينمائية، وإنما لشبكة ضخمة من المطاعم والمقاهي، وبالطبع أسواق التسوق التي تجدها في كل مكان.

    ما يدهش الكثيرين أن المستشفيات هي الأخرى صارت صناعة ليست فقط تلك التي تتعلق بالصحة والدواء ومعالجة الأمراض وإجراء البحوث، وإنما هي أيضاً فيها بعض من التسوق ومكاتب لتسهيل الأعمال، ومناسبات يُستمع فيها للموسيقى الخفيفة.

    وفي العاصمة الأمريكية واشنطن جرى إنشاء متحف للجاسوسية يُحكى فيه ما هو حقيقي قامت به وكالة المخابرات المركزية، وبعض من أشهر قصص التجسّس في العالم. مدينة واشنطن لا يوجد فيها الكثير الذي تُخلق منه صناعات كبرى، وفيما عدا البيت الأبيض والكونغرس وما بينهما من مدافن الثورة والحرب الأهلية، وجامعاتها ليست كجامعات بوسطن، ومسارحها ليست مثل نيويورك، وأسواقها ليست مثل شيكاغو، وفنونها ليست مثل لوس إنجليس، وتكنولوجيتها ليست مثل سياتل؛ ولكنها مقر للحكومة التي أكثر إدارتها إثارة وصناعة، فهي المخابرات التي تستحق متحفاً، والمتاحف باتت هي الأخرى صناعة!

     

     

    طباعة Email