أهلاً.. 2020!

رحل 2019 بما له وما عليه، وجاء 2020 ولا أحد يعرف ما فيه وما معه. لا أحد يستطيع إيقاف الزمن. النهايات ذاتها كانت بدايات. يقولون إن البدايات أجمل، لكنها صندوق مغلق، ففي كل نهاية نقول إنها النهاية، وإذ بعدها بداية إلى أن يحين وقت النهاية الأبدية التي هي بدورها بعدها بداية لا نهاية لها إلا في الجنة أو في النار. كلنا لا نؤمن بالأبراج، لكن معظمنا يقرأها. الإنسان بطبعه ميال لمعرفة الآتي، لكن الله وحده لديه علم الغيب. «كذب المنجمون ولو صدقوا».

في التاريخ ثمة بدايات عرجاء أدت إلى نهايات بكامل صحتها وعافية أصحابها. نقول: من كان يصدق أن هذا القائد أو العالم أو المخترع كان طفلاً فقيراً بائساً؟!

ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﻭﺑﻌﺪ ﻣﺮﻭﺭ ﺃﺳﺎﺑﻴﻊ ﺣﺼﻞ جندي روسي ﻋﻠﻰ ﺇﺟﺎﺯﺓ ﺗﺴﻤﺢ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﻌﻮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺑﻴﺘﻪ، ﻭﻣﺎ إﻥ ﻭﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﺍﻟمؤدي إلى ﻣﻨﺰﻟﻪ ﺣﺘﻰ ﺭﺃﻯ ﺷﺎﺣﻨﺔ ﻋﺴﻜﺮﻳﺔ ﻣﺘﻮﻗﻔﺔ ﻣﺤﻤّﻠﺔ ﺑﺎﻟﺠﺜﺚ ﻭﻋﺮﻑ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﻗﺼﻒ ﻣﺪﻳﻨﺘﻪ. ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺸﺎﺣﻨﺔ ﺗﻘﻞ ﻋﺸﺮﺍﺕ ﺍﻟﺠﺜﺚ ﺍﻟﻬﺎﻣﺪﺓ ﻭﺗﺴﺘﻌﺪ ﻟﻨﻘﻠﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻘﺒﺮﺓ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ. ﻭﻗﻒ ﺍﻟﺠﻨﺪﻱ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺠﺜﺚ ﺍﻟﻤﺘﻜﺪﺳﺔ ﻟﻴﻠﻘﻲ ﺁﺧﺮ ﻧﻈﺮﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻭﺇﺫ ﺑﻪ ﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺣﺬﺍﺀً في ﻗﺪﻡ «ﺳﻴﺪﺓ ﻣﺎ» ﻳﺸﺒﻪ ﺣﺬﺍﺀً ﺳﺒﻖ ﺃﻥ ﺍﺷﺘﺮﺍﻩ ﻟﺰﻭﺟﺘﻪ، ﻓﺘﻮﺟﻪ ﺇﻟﻰ ﺑﻴﺘﻪ ﻣﺴﺮﻋﺎً ﻟﻼﻃﻤﺌﻨﺎﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻟﻜﻨﻪ ﺳﺮﻋﺎﻥ ﻣﺎ ﺗﺮﺍﺟﻊ ﻭﻋﺎﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺣﻨﺔ ﻟﻴﺘﻔﺤﺺ ﺍﻟﺠﺜﺔ، ﻓﺈﺫﺍ ﺑﻬﺎ ﺯﻭﺟﺘﻪ.

ﺑﻌﺪ ﺻﺪﻣﺘﻪ ﻟﻢ ﻳﺸﺄ ﺍﻟﺠﻨﺪﻱ ﺃﻥ ﺗﺪﻓﻦ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﻓﻲ ﻣﻘﺒﺮﺓ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻓﻄﻠﺐ إخراجها ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺎﺣﻨﺔ ﺗﻤﻬﻴﺪﺍً ﻟﺪﻓﻨﻬﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﻻﺋﻖ. ﻭﺧﻼﻝ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﻨﻘﻞ ﺗﺒﻴﻦ ﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺰﺍﻝ ﺗﺘﻨﻔﺲ ﺑﺒﻂﺀ ﻭﺻﻌﻮﺑﺔ، ﻓﺤﻤﻠﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺸﻔﻰ، ﺣﻴﺚ ﺃﺟﺮﻳﺖ ﻟﻬﺎ ﺍﻹﺳﻌﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻭﺍﺳﺘﻌﺎﺩﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ. ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺣﻤﻠﺖ ﺍﻟﺰﻭﺟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﺩﺕ ﺗﺪﻓﻦ ﺣﻴﺔ، ﻭﻭﺿﻌﺖ مولوداً ﺍﺳﻤﻪ «ﻓﻼﺩﻳﻤﻴﺮ ﺑﻮﺗﻴﻦ» ﺭﺋﻴﺲ ﺭﻭﺳﻴﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ.

ﻘﺼﺔ بوتين ﺫﻛﺮﺗﻬﺎ «ﻫﻴﻼﺭﻱ ﻛﻠﻴﻨﺘﻮﻥ» ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻬﺎ «ﺧﻴﺎﺭﺍﺕ ﺻﻌﺒﺔ». ويبدو أن لكل العظماء قصة تستحق أن تروى ومنها هذه القصة:

يحكى أن فلاحاً أسكتلندياً فقيراً اسمه «فليمنغ»، بينما هو يكدح في حقله في يوم ما سمع صرخة استغاثة آتية من مستنقع قريب، فأسرع إلى هناك ليجد صبياً مذعوراً انزلق في المستنقع وقد غمره الطين الأسود إلى خصره، وكان يصرخ ويحاول جاهداً أن يُخرِج نفسه من مستنقع الطين فأسرع الفلاح «فليمنغ» وخلَّص الصبي مما كان يمكن أن يودي بحياته.

في اليوم التالي توقفت فجأة عربة فاخرة أمام المكان الذي يعمل فيه الفلاح الأسكتلندي ونزل من العربة رجل من طبقة النبلاء، أنيق الملبس، وقدَّم نفسه للفلاح على أنه والد الصبيِّ الذي نجَّاه الفلاح بالأمس، وعرض عليه مكافأة مالية نظير إنقاذه لابنه، ولكن الفلاح رفض بشدة أي مكافأة مالية.

وفي نفس اللحظة خرج ابن الفلاح من باب المنزل المتواضع، فسأله النبيل: «هل هذا هو ابنُك»؟ فردَّ الفلاح: «نعم». أجابه النبيل: «إذن، فلنعقد صفقة. اسمح لي أن آخذ ابنك هذا وأُوفِّر له تعليماً جيداً، فإن كان هذا الصبي يُشابه أباه في أخلاقه، فلا شكَّ أنه سيكبر ليصبح رجلاً تفخر أنت به».

وهذا ما حدث، فقد قام النبيل بإرسال ابن الفلاح «فليمنغ» إلى مدرسة مستشفى «سانت ميري» الطبية في لندن، واشتهر ابن الفلاح «فليمنغ» في العالم كله. فذاك الصبي هو نفسه سير ألكسندر «فليمنغ» (1881 ــ 1955) مكتشف البنسلين 1929، أول مضاد حيوي عرفته البشرية على الإطلاق، ويعود له الفضل في القضاء على معظم الأمراض الميكروبية، كما حصل ألكسندر «فليمنغ» على جائزة نوبل في عام 1945.

لم تنتهِ القصة هنا، فحين مرض ابن اللورد الثري بالتهاب رئوي، كان البنسلين هو الذي أنقذ حياته، فذاك الصبي ابن الرجل الثري (الذي أنقذ «فليمنغ» الأب حياته مرة وأنقذ ألكسندر «فليمنغ» الابن حياته مرة ثانية بفضل البنسلين) رجل شهير للغاية.. فالثري يدعى اللورد راندولف تشرشل وابنه يدعى ونستون تشرشل أعظم رئيس وزراء بريطاني على مر العصور، الرجل الذي قاد الحرب ضد هتلر أيام الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات