مخاض عسير أمام تشكيل الحكومة العراقية

استقالة أو إقالة حكومة عادل عبد المهدي وتحولها لحكومة تصريف أعمال لم يكن وفق السياقات الدستورية عن طريق سحب الثقة بها في المجلس النيابي بل وفق سياقات أخرى غاضبة ومزلزلة رسمها الشارع المنتفض ليس ضد شخص عبد المهدي بل ضد الطبقة السياسية المتنفذة في المنطقة الخضراء.

على المستوى الرسمي وضعت هذه الاستقالة أمام الكتل السياسية مهمة تشكيل حكومة جديدة تبدأ عادة بأصعب خطواتها هو اختيار رئيس لها يتفق مع معادلات التوازن محلياً وإقليمياً، وهي مهمة صعبة في ضوء الصراعات الداخلية التي طرأ عليها تغيرات مهمة جداً، زادت من صعوباتها منذ الأول من أكتوبر.

حين دخلت التظاهرات الرافضة لثوابت العملية السياسية، وتعاظم دورها بعد أن عُمدت بالدماء شعاراتها ومطاليبها باجتثاث النفوذ الإقليمي وإقصاء حلفائه من المشاركين في العملية السياسية، التي بنيت وهذا النفوذ أحد ثوابتها كعامل يراد له أن يكون حاسماً.

الطبقة السياسية المحتمية بالمنطقة الخضراء تعجز بكل وضوح عن اختيار مرشح يحظى بقبول شعبي، فهي لا تحظى بثقته ولا تدرك مدى عزلتها ولا مدى هزالة أجندتها وبعدها عن الهاجس الوطني الذي تسعى أو تدعي أن خطابها موجه إليه.

الأسماء المتداولة المرشحة من قبل الأحزاب عدة، إلا أن رئيس الجمهورية، صاحب القرار في التكليف وفق الدستور، لم يتخذ قراره على، الرغم من تجاوز المهلة الدستورية المتاحة مما أدخل العراق في حالة يفسرها البعض بأنها حالة فراغ دستوري، وآخرون لا يرون ذلك لمطاطية مواد الدستور.

ففي ضوء الانتفاضة القائمة منذ ثلاثة شهور لم يعد التساؤل مقتصراً على من يخلف عبد المهدي، وإنما كيف يمكن إصلاح العملية السياسية وتهدئة الشارع المنتفض. صحيح أن شخص رئيس الوزراء وطاقم وزارته عناصر مهمة في عملية الإصلاح أو التغيير، ولكن المهم أيضاً الأدوات المتوافرة لذلك، وهي المجلس النيابي والقوانين التي تتحكم في صناعته .

وفي أسلوب اتخاذ قراراته. إن أبرز العوائق لذلك هو الدستور نفسه، فالقيود التي يحويها تكرس بقاء ثوابت العملية السياسية المبنية على المحاصصة العرقية والطائفية.

وتقف حائلاً ومعيقاً أمام أية محاولة حقيقية للتغيير فقد كُتب هذا الدستور وجرى الاستفتاء عليه بعجالة في ظل سيطرة «آفة» العملية السياسية، وهي التوافق على مصالح الأحزاب السياسية المنخرطة فيها وليس التوافق على مصلحة العراق.

رئيس الجمهورية لا يمتلك صلاحيات تنفيذية، وهو في موقف لا يُحسد عليه، فهو في الظروف العادية أسير السياقات الدستورية التي ترسم خطوات عمله، إلا أنه في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق منذ اندلاع الانتفاضة أسير أجواء مختلفة لا يمكن تجاهل تأثيراتها على ما يتخذ من قرارات رغم محدودية تأثيراتها.

فقد أصبح بين مطرقة هذه السياقات وسندان الانتفاضة الشعبية الرافضة تماماً لها، وبات يتعرض لأشد الضغوطات من هؤلاء ومن هؤلاء، دفعته للتهديد بالاستقالة من منصبه بعد أن تعاظمت الضغوط لصالح تكليف مرشح معين، مرفوض بشدة من قبل الشارع الثائر، الذي يرفض جميع الوجوه المشتركة في العملية السياسية.

مراسلات الرئيس مع رئيس المجلس النيابي ومع المحكمة الاتحادية حول الكتلة الأكثر عدداً وحول مرشحها تعكس رغبته في عدم التفرد باتخاذ قرار التكليف وتحاشي الاحتكاك بالشارع المنتفض، إلا أن الإجابات التي تلقاها والتي صيغت بطرائق مبهمة تحتمل التأويل تعكس رغبة هؤلاء كذلك في إبعاد الكرة عن ملعبهما.

الرئيس يسعى لكسب الوقت ورفع قدر من الأحراج عن شخصه حين يتخذ قرار التكليف، وهو قرار قد يترتب عليه تداعيات خطيرة تخرج العملية السياسية من سياقات التعاطي السلمي وترسم مساراً سياسياً جديداً لشخصه ولمستقبله السياسي.

الأزمة التي يمر بها العراق هي الأخطر على مستقبله منذ التغيير في 2003، فليس من السهل مواجهة الشارع المنتفض وامتصاص نقمته بطرح وتنفيذ برامج إصلاح حقيقية، فالنخب السياسية غير قادرة بل غير مؤهلة لذلك، وها نحن نشهد العقبات في المجلس النيابي التي واجهها إقرار قانون الانتخابات الجديد الذي من السابق لأوانه تقييم أهميته.

فقد كتب هو الآخر على عجل تحت ضغوطات الشارع المنتفض، في مؤشر عما ستلاقيه دعوات إعادة النظر بالدستور، وتعديل العديد من بنوده ومواده وفقراته، التي تتطلب إجراء جراحات كبرى في بنيته لا جراحات تجميلية في هيئته، الانتفاضة في العراق أبعد كثيراً في أهدافها من أن تكون حول شخص رئيس الوزراء إنها حول مستقبل الوطن.

 

Ⅶ كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات