مصير الموجة الجديدة

مر العالم العربي بموجتين للتغيير في النظام السياسي، الأولى منهما جرت في مطلع العقد وبين عامي ٢٠١٠ و٢٠١١، وذاع عنها الاسم الغربي «الربيع العربي» ووضعت في سياق الثورات التي جاءت إلى دول أوروبا الشرقية بعد انتهاء الحرب الباردة.

خرج الفكر أيامها من سياق التيار العولمي الذي وضع «نهاية التاريخ» عند أبواب الليبرالية والديمقراطية، ومن ثم تغيرت النظرة إلى العرب من كونهم يمثلون «استثناء» تاريخياً على حركة الكون إلى كونهم عادوا في النهاية إلى تيار التاريخ العام.

والثانية أتت مع خاتمة العقد بين عامي ٢٠١٨ و٢٠١٩، ولم تلق الاهتمام الغربي ولا العالمي كما حدث في الموجة الأولى، وإنما ساد القلق حول عما إذا كان الحراك السياسي سوف ينقلب إلى موجة من موجات العنف الجديدة.

كانت السنوات التي مرت بين الموجتين حافلتين بالأحداث، عالمياً فإن اتجاهاً يمينياً فظاً ومتعصباً زحف على الدول الغربية، ووضعت أسمى تجارب العولمة ممثلة في الاتحاد الأوروبي موضع الاختبار تارة من خلال الأزمات الاقتصادية التي جرت في اليونان وإيطاليا وإيرلندا وإسبانيا؛ وتارة أخرى من خلال اتجاه بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد باسم «البريكسيت»؛ وتارة ثالثة من خلال موجات الهجرة التي جاءت من الشرق الأوسط وأفريقيا عبر البحر المتوسط أو الحدود التركية مع ما صاحبها من موجات إرهابية.

إقليمياً شهد العقد التفاعلات التي جرت في دول ما يسمى بـ«الربيع العربي» الأول تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، والتي انتهت بصمود بعضها بأشكال مختلفة مثل تونس ومصر، وتحول الآخرين إلى حروب أهلية لا تزال مستمرة حتى الآن وإن خفت حدتها إلى حد كبير.

خلال الفترة ذاتها ارتفعت أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً حتى تجاوز سعر البرميل المائة دولار أمريكي؛ ولكنه سرعان ما انخفض مع منتصف العقد إلى أقل من ٣٠ دولاراً، والآن ينتهي العقد والسعر يتراوح حول ٦٠ دولاراً.

ولكن كان أهم ما نجم عن هذه الفترة ظهور تيار كبير للإصلاح العميق في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل بلدان عربية عدة هي السعودية ومصر والبحرين والكويت والأردن والمغرب.

الموجة الثانية شملت أربع دول عربية هي السودان والجزائر ولبنان والعراق، وهذه شهدت ظواهر كثيرة مشابهة للموجة الأولى، وهي التظاهرات كثيفة العدد، وغياب القيادة والرؤية للمستقبل، ولكن مع تصميم كبير على الضغط السياسي حتى يمكن الإطاحة بالنظام السياسي القائم.

الاستثناء من ذلك كان في السودان التي عرفت جماهيرها نوعاً من القيادة ممثلة في قيادة الجمعيات المهنية التي ما أن سقط عمر البشير حتى بدأت عملية تفاوض حرجة بالضغوط انتهت إلى نوع من التوازن بين المجلس العسكري والسلطة المدنية، التي بدورها طرحت برنامجاً إصلاحياً مدنياً بدأ بوقف إطلاق النار في الأقاليم الثائرة، والسعي نحو رفع العقوبات الدولية على السودان، والتحضير لبرنامج للإصلاح الاقتصادي ينقذ المهمشين، ويرفع من شأن الجميع.

الجزائر رغم الإطاحة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومحاكمة بعض أركان النظام القديم، فإن النظام السياسي استمر وفقاً لما قام عليه الدستور الجزائري، ومن ثم جرت انتخابات رئاسية جديدة، بينما ظلت التظاهرات على حالها.

لبنان والعراق ظلا في الطريق إلى العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين على حالهما تظاهرات كثيفة على جانب، وزوال للوزارة القائمة على جانب آخر، مع بقاء رأس السلطة الجمهورية باقياً كرمز للدولة يسعى إلى حل.

المشترك ما بين الدولتين هو أن المطلب الشعبي هو تشكيل حكومة وطنية تكنوقراطية تضع برنامجاً فعّالاً للتنمية الاقتصادية ومحاربة الفساد؛ مع تغيير طبيعة الدولة من الطائفية والمحاصصة القائمة عليها إلى آفاق الدولة الوطنية.

ورغم وجود الأغلبية الشيعية في البلدين فإن التغيرات الوطنية فيهما كبيرة ولكن يصعب حصرها، ولا تزال المراهنة عليهما في قلب الموازين ليس فقط على جانب المتظاهرين الشعب الثائر، وإنما أيضاً من قوى داخلية مسلحة مثل الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان؛ ومن قوى خارجية ممثلة في إيران، التي ترى فيهما مع سوريا واليمن محميات إيرانية أنفقت عليها طهران الغالي والنفيس لتضمن التبعية فيهما. الموجة الثانية سيتحدد مصيرها مع مطلع العقد، بعد أيام.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات