أزمة العراق في منظور القانون الدولي

بعد فشل حملات القتل الممنهج، التي مارستها الأجهزة الأمنية في العاصمة العراقية، وفي المدن الأخرى لقمع الانتفاضة الشعبية، التي نجحت بتحقيق أحد أهدافها، وأسقطت حكومة عبد المهدي برز نمط جديد للتصدي لها يبعد الأجهزة الأمنية عن ذلك، فقد تعرض العشرات من المنتفضين في ساحة التحرير للطعن بالسكاكين، ثم تعرضوا في ساحتي السنك والخلاني إلى مجزرة نفذتها ميليشيات مسلحة، وتزايدت عمليات الاختطاف والاغتيال للناشطين المدنيين في مدن عديدة، بهدف الترهيب وسط غفوة الجهات الأمنية، التي تدعي أنها تقوم بحماية المنتفضين وفق ما ينص عليه الدستور.

ليس هناك طرف ثالث يتصدى للانتفاضة كما يشاع، فالأصابع في جميع هذه الحالات تشير إلى الميليشيات المرتبطة بإيران، والتي تعد بالعشرات وبمهام متنوعة، وهي تعمل بغطاء قانوني شرعه مجلس النواب باعتبارها جزءاً من القوات المسلحة، التي تعمل تحت إمرة القائد العام لها، الذي هو رئيس الوزراء. كان آخر الأحداث في سياق تصاعد الصراع هو استهداف منزل السيد مقتدى الصدر في النجف بطائرة مسيرة في رسالة تحمل الكثير من المعاني، بعد أن تطوعت سرايا السلام التابعة له بحماية المنتفضين في مؤشر خطير على احتمال نشوب احتراب داخلي، ولا أقول حرب أهلية، لأنه لا وجود لطرفين متكافئين لخوضها، فمهما بلغ حجم الذين باعوا ضمائرهم وربطوا مصائرهم بالأجنبي وحملوا بنادقه، فهو ليس سوى رقم هزيل وهزيل جداً مقارنة بحجم حملة العلم العراقي.

لم يعد ما يجري في العراق من انتهاكات لحقوق الإنسان وتجاهلاً لمطالبه المشروعة خافياً، يمكن التستر عليه، فالوحشية التي تواجه بها الانتفاضة الشعبية تستأثر باهتمام عالمي واسع يدخل النظام السياسي القائم في طور جديد من الحرج يصعب الدفاع عن مواقفه، فحجم التعاطف مع قضية المنتفضين نقل المشهد العراقي من إطاره المحلي إلى إطار دولي، فالحكومة المختطفة من قبل المليشيات ذات الولاءات الخارجية تلاقي صعوبات جمة في مواجهة الضغوطات الخارجية، بعد ما شهدناه في الآونة الأخيرة من أحداث، فهناك مساعٍ جادة لبناء مظلة دولية لحماية الشعب العراقي.

أخفق العراق في الحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته الحالية مع أنه كان عضواً في الدورة السابقة، بسبب أساليب القمع التي تعمد إليها الحكومة، وبسبب المضايقات التي يلقاها الصحافيون ووسائل الإعلام الأخرى، والتي أدينت بشدة من قبل منظمة حقوق الإنسان.

التقرير الذي قدمته ممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخرت إلى مجلس الأمن الدولي في الثالث من ديسمبر الجاري يعتبر وثيقة إدانة قوية لحقبة سنوات عديدة سيطرت فيها الطبقة السياسية الحاكمة، حيث دان التقرير الإفراط في العنف الذي جوبهت به التظاهرات السلمية والمطالب المشروعة، التي تبنتها، وقلل من شأن الإجراءات التي تتخذ لمكافحة الفساد وبأن تأثيراتها غير ملموسة.

بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا في بيان أصدرته سفاراتها في بغداد هو الأقوى من نوعه، منذ العام 2003 طالبت فيه الحكومة بإبعاد الحشد الشعبي عن مواقع التظاهر، بيان أغضب الخارجية العراقية، التي لم يتكلم مندوبها في الأمم المتحدة، بما ينصف الشعب العراقي.

أما الموقف الأمريكي فهو لم يتضح بعد، سوى اتخاذ وزارة الخزانة قرارات فرضت بموجبها في السادس من ديسمبر الجاري عقوبات على أربعة من المنخرطين بالعملية السياسية لتورطهم في الفساد، وفي انتهاكات حقوق الإنسان، ثلاثة منهم من قادة الميليشيات وهي المرة الثانية التي يطبق فيها قانون ماغنتسكي العالمي لحقوق الإنسان والمساءلة في هذا العام. من جانب آخر هناك ما يشير إلى بعض التغير الاستراتيجي في الموقف الأمريكي، فهناك إرهاصات حول نقل الملف العراقي من وزارة الخارجية إلى البنتاغون، بسبب فشل الخارجية في التعامل معه.

وفق القانون الدولي لم يخرج العراق من دائرة الوصاية الدولية على شؤونه، فهو قد خرج من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة عام 2017 إلى الفصل السادس منه، وهذا لم يحرره تماماً من تلك الوصاية فهو تحت الرقابة الشديدة على ما يجري فيه، والحكومة بتمسكها بالحل الأمني تخاطر بمستقبله فإنهاء الاحتجاجات وقمعها على الطريقة الإيرانية لن يوقف انهيار النظام السياسي القائم فحسب، بل يمهد الطريق شرعياً للتدخلات الخارجية خاصة إذا أعيد العراق للفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات