حول إجراءات محاكمة الرئيس الأمريكى

كثيرة هي المقالات التي تتناول وقائع عزل الرئيس ترامب، والتكهنات حول مصيرها. لكن تندر تلك التي تتناول عن طبيعة إجراءات مجلس الشيوخ وعلاقتها بمصير الرئيس.

فقد مرت الإجراءات بمجلس النواب عبر مراحل عدة شاهدها العالم على الهواء. فهي بدأت بالإعلان عن فتح تحقيق رسمي بخصوص ما إذا كان ترامب قد علق المساعدات العسكرية لأوكرانيا للضغط عليها وإجبارها على الإعلان عن فتح تحقيق مع منافسه بانتخابات الرئاسة القادمة جوزيف بايدن ونجله.

وقد عقدت لجنة الاستخبارات بالمجلس جلسات استماع، مغلقة ثم علنية، استدعت فيها الشهود، للوصول للحقيقة، ثم أصدرت لجنة الاستخبارات تقريرها بخصوص ما توصلت له. وإذا كانت جلسات الاستماع تلك قد بحثت عن الوقائع، جاء الدور على أهل القانون فاستعدوا للشهادة أمام المجلس، تمهيداً لإصدار مواد العزل ليصوت عليها المجلس بالأغلبية كون الديمقراطيون يشغلون مقاعد الأغلبية.

لذلك سيوافق مجلس النواب على الأرجح لصالح عزل ترامب، عندئذ، ينتقل الموضوع برمته لمجلس الشيوخ. فمجلس النواب، وفق الدستور، هو المنوط به «عزل» الرئيس بالأغلبية البسيطة. أما «إزاحته» من منصبه، فهي مسؤولية مجلس الشيوخ عبر التصويت بأغلبية الثلثين. فمجلس النواب سيكون بمثابة «الادعاء»، بينما يكون أعضاء مجلس الشيوخ، بمثابة القضاة الذين يحكمون بالبراءة أو الإدانة.

وهنا تأتي قواعد مجلس الشيوخ المفصلة للغاية في كل صغيرة وكبيرة تخص ما سيجري داخله، حتى أنها تحدد أحياناً أي ساعة في النهار يحدث فيها هذا أو ذاك. وهي تحدد أيضاً طبيعة القسم الذي يتعين على الفاعلين المختلفين قراءته.

ومجلس النواب عليه، بعد التصويت بالعزل، أن يحدد بالاسم أعضاءه الذين سيمثلون «الادعاء» في جلسات المحاكمة بمجلس الشيوخ، ثم يرسل له رسمياً تلك الأسماء. ويستدعي مجلس الشيوخ رئيس المحكمة العليا المنوط به، دستورياً، رئاسة جلسات المحاكمة.

ومن حيث الواقع الفعلي، فإن رئيس المحكمة العليا «لا يحكم» في القضية، وإنما يكون بمثابة رئيس للجلسات لا أكثر. وعلى رئيس المحكمة العليا، متى تم استدعاؤه، أن يصل لمجلس الشيوخ في الواحدة بعد ظهر اليوم الذي يحدده له المجلس، ويحلف اليمين، الذي حدده الدستور، أمام الأعضاء في جلسة يرأسها أقدم أعضاء مجلس الشيوخ، أي الذي قضى المدة الأطول في مقعده بين كل أعضاء المجلس المائة.

ثم يعلن مجلس الشيوخ رسمياً استعداده لاستقبال ممثلي الادعاء من أعضاء مجلس النواب، ويسمح لهم بالمثول أمامه. كما يرسل خطاباً رسمياً للرئيس يتم فيه سرد مواد عزله التي أعدها مجلس النواب ووافق عليها.

ويطالبه الخطاب بالمثول أمام المجلس بشخصه أو من خلال محاميه، بشرط أن يعمل الأخير طوال الوقت بالتنسيق مع المستشار القانوني للبيت الأبيض، المسؤول عن تقديم المشورة للرئيس بخصوص قانونية السياسات التي يتخذها، والقواعد التي يرسيها طوال مدة رئاسته.

وبعد إرسال الخطاب للرئيس، يتعين على المسؤول عن إرسال ذلك الخطاب بالجهاز الفني لمجلس الشيوخ، أن يشهد بإرساله للرئيس، بعد أن يحلف اليمين.

وبمجرد أن تبدأ المحاكمة العلنية، يعلق مجلس الشيوخ كل أعماله الأخرى، فلا مشروعات قوانين تعرض، ولا تصديق على تعيينات يحدث، ولا أية أعمال أخرى يبحثها المجلس. باختصار تستحوذ إجراءات المحاكمة العلنية للرئيس على كل أعمال المجلس.

وتبدأ المحاكمة بأن يطلب رئيس المحكمة العليا من رئيس وفد مجلس النواب، أي ممثلي الادعاء، أن يسردوا علناً مواد العزل التي صوت عليها مجلسهم بالموافقة. ولمجلس الشيوخ أن يستدعي أي عدد من الشهود الإضافيين، غير أولئك الذين تم استدعاؤهم للشهادة أمام مجلس النواب.

ومن الممكن أن يكون أعضاء مجلسي النواب والشيوخ من بين من يستدعيهم المجلس للشهادة. ووفق قواعد المجلس، فإن نص الخطاب المرسل لاستدعاء الشهود، يتسم بلغة آمرة، تتضمن تحذيراً صريحاً من مغبة عدم المثول أمام المجلس.

لكن لأن قواعد عمل مجلس الشيوخ عموماً، وقواعده عند محاكمة الرئيس تحديداً، بالغة التعقيد والتفصيل، فإن بإمكانها أن تستغرق وقتاً طويلاً للغاية من لحظة بدئها وحتى التصويت النهائي على مواد العزل.

فلأي عضو بالمجلس، مثلاً، أن يقدم طلباً إجرائياً، وهو ما يتم التصويت عليه بأغلبية الثلثين. ويتم التصويت على استدعاء الشهود، كما تتم مناقشتهم، فضلاً عن مناقشة ممثلي الادعاء. أما التصويت النهائي للمجلس، فإنه يتم علناً على كل واحدة من مواد العزل منفردة، وبأغلبية الثلثين.

اللافت في الأمر أنه رغم التفصيل المطول لقواعد مجلس الشيوخ في محاكمة الرئيس، إلا أن تلك القواعد لا تتضمن أية معايير لطبيعة الأدلة المقدمة ولا مصداقيتها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات