هل تحسم انتخابات الـ«بريكست»؟!

تهيمن مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما يعرف بـ «بريكست» على الانتخابات البرلمانية اليوم، التي يتنافس فيها الحزبان الرئيسان في المملكة المتحدة المحافظان بقيادة بوريس جونسون، الذي يأمل أن يستعيد الأغلبية المحافظة التي خسرها حزبه منذ حكومة ماي تيريزا، والعمال بزعامة جيرمي كوربين، الذي يسعى إلى العودة بهذا الحزب إلى واجهة السياسية البريطانية التي غاب عنها منذ تسع سنوات.

وتبدو قضية الـ«بريكست» بشكل خاص هي التي سوف تحسم مسألة فوز أي من الحزبين في هذه الانتخابات، رغم وجود قضايا هي الأخرى تمثل تحدياً للبريطانيين خاصة قضية الإرهاب والخدمات الصحية والتقشف الحكومي، خاصة وأن جونسون يعتبر خروج بريطانيا هي قضيته الأولى والأساسية وفي أحيان كثيرة كانت الوحيدة التي يتحدث عنها أمام وسائل الإعلام وبالتالي يتوقع أنه بمجرد أن يعلن فوزه في هذه الانتخابات الذي هو الشرط الوحيد الذي يحتاجه فيكون قد تحققت رغبته في تطبيق الخروج من الاتحاد الأوروبي وبالتالي اتخاذ قراره الذي أوقفه الكثيرون وترددوا في دعمه رغم أن الشعب صوت في استفتاء عام 2016 لصالح الخروج.

وأعطت المناظرة الإعلامية التي جرت، مؤخراً، بين زعيمي الحزبين انطباعاً أن «تنفيذ بريكست» أصبح هاجس كل البريطانيين سواء من الشعب أو سياسيين وإعلاميين، إلى درجة أن التقسيم المجتمعي لم يعد حزب الانتماء السياسي للأحزاب أو الأيديولوجية التي يؤمنون بها بقدر التصويت على هل سيكون هذا الشخص مع قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي أو كما يطرح كوربين إمكانية إجراء استفتاء ثان عليه وبالتالي إلغاء استفتاء 2016.

ومع أن لرافضي الخروج من الاتحاد الأوروبي مبررات وأسباباً لها علاقة بالارتباط الجغرافي، حتى لو أن بحر المانش يفصل بين بريطانيا وأوروبا، ومبررات اقتصادية وثقافية بالقارة العجوز تعزز ذلك الارتباط بشكل أكبر بمرور الأيام حتى صارهناك ترابط إنساني، كما أن لمؤيدي الـ«بريكست» أيضاً ما يدعم قناعتهم، خاصة في ظل حالة الشعبوية المنتشرة في أوروبا والعديد من دول أمريكا اللاتينية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يؤيد فكرة جونسون ومسألة الخروج من كل التحالفات التي يعتقد أنها تعرقل عمل الحكومات.

إلا أن الخطورة من انفكاك بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تكمن في النظر إليه من قبل البعض باعتبارها «خطوة ملهمة» لبعض الأقاليم البريطانية التي تتشكل منها المملكة المتحدة لإجراء استفتاء الخروج، منها خاصة إقليم اسكتلندا الذي أعلن الحزب القومي فيه أكثر من مرة عن نيته في الانفصال عن بريطانيا، وبالتالي فتحقيق جونسون لهدفه وحسم «معركة» الانتخابات اليوم له قد يعني عاملاً مشجعاً للآخرين في الاتحاد الأوروبي نفسه.

الصورة إعلامياً تبدو أن حظوظ حزب المحافظين هو الأكبر في الفوز في انتخابات اليوم، ولكن لا يمكن البناء عليها قبل الإعلان الرسمي، خاصة وأن تشكيل الحكومة يحتاج إلى أغلبية (326 من أصل 650 عضواً) ما يعني أن توجه جونسون حسب استطلاعات الرأي هو الأقرب.

ورغم كل ذلك، هناك احتمال قائم وهو غير مستبعد أن يحدث في ظل التنافس الكبير بين الحزبين، وهو قد يعقد مسألة الـ«بريكست» أكثر، وهي ألا يفوز أي من الحزبين -المحافظين أو العمال- بأغلبية تسمح لهما بتشكيل حكومة بشكل منفرد، وفي هذه الحالة سيتطلب الأمر التحالف سواء بينهما أو مع أي أحزاب أخرى أغلبها غير قابلة لمسألة الخروج من بريطانيا، هذا سيعني أن القضية ستكون معلقة لسنوات عدة مما يزيد من حالة الشحن السياسي والإعلامي في بريطانيا وستكون لها تبعاتها على النشاط الدبلوماسي البريطاني الخارجي، سيما وأن المؤشرات السياسية والاقتصادية خلال الفترة من استفتاء 2016 إلى اليوم أنهكت بريطانيا، فكيف سيكون الأمر إذا استمر الوضع !

المقصد أنه في حالة تأخر حسم موضوع الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي «بريكست» في هذه الانتخابات سواء بالخروج منه أو بالاستفتاء عليه مرة ثانية سيكون له تبعات كثيرة على التماسك المجتمعي البريطاني وعلى دوره الدولي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات