تراجع الدور الأمريكي في العالم

‏كثر الحديث هذه الأيام عن تقهقر الدور الأمريكي في العالم. ومرد ذلك يعود إلى عشرات السنين من السياسات الخاطئة التي اتبعتها واشنطن، خاصة في ما يتعلق بالحروب الاختيارية التي انخرطت فيها في دول العالم النامي. وقد أدرك بعض المؤرخين أن انحدار مكانة الدول يتأتى من التمدد غير المحسوب الذي يقوض من عوامل القوة للدول. ويقول بول كينيدي صاحب كتاب «صعود وسقوط القوى العظمى» إن صعود القوى العظمى مرتبط بتوفر المصادر الاقتصادية، وإن التمدد العسكري الذي لا يتناسب مع توفر هذه الإمكانيات يؤدي بالتالي إلى التقهقر. وإن أكبر التحديات التي تواجه القوى العظمى هي الطموح المتزايد والذي لا يتوفر له قاعدة اقتصادية متينة.

ويعزو ستيف والت في كتابه الأخير النوايا الطيبة: نخبة السياسة الخارجية وأفول صدارة الولايات المتحدة، انحدار الدور الأمريكي إلى السياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. ويرى والت أن نخبة السياسة الخارجية الأمريكية تسببوا، لإخفاقاتهم المتكررة، بانحدار المكانة الأمريكية في العالم. ويرى الكاتب أن ما يسمى «الهيمنة الليبرالية»، أي لعب دور المهيمن لإدارة النظام العالمي حسب الرؤية الليبرالية، فشلت بشكل ذريع. «ومع ذلك، ظلت ثلاث إدارات متعاقبة «كلينتون، بوش، وأوباما» متشبثة بها، حتى حين تفاقمت الكلفة وتضاعفت المستنقعات».

وبسبب هذه الإخفاقات المتتالية أصبحت للسياسات الانعزالية التي يتبعها الرئيس دونالد ترامب صدى في المجتمع الأمريكي. وقد سئم كثير من المواطنين الأمريكيين من سعي بلادهم لبناء دول أخرى وإنفاق موارد كثيرة على حروب وتدخلات خارجية دونما طائل، بل قد تؤدي هذه التدخلات إلى ردات فعل سلبية ضد الولايات المتحدة وتعريض مواطنيها إلى أضرار بالغة.

وكان بإمكان ترامب أن يحقق نجاحات كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي لولا تصرفاته الشخصية والتي مكنت خصومه من توجيه سيل من الانتقادات. إضافة إلى ذلك فإن والت في كتابه السابق يسرد وقائع مؤلمة عن انعدام الكفاءة في كثير ممن استقطبتهم الإدارة الحالية. ويضيف أن ترامب لا يتوخى الحذر في تصريحاته أو تغريداته. وبعض هذه التصريحات تقوض من عمل كبار مساعديه ومستشاريه. ويورد الكاتب مثالاً على ذلك في تصريح ترامب بأن مفاوضات وزير خارجيته السابق، ركس تيليرسون، مع كوريا الشمالية مضيعة للوقت. وينعكس مثل هذه التصريحات على مدى جدية واشنطن في مفاوضاتها مع خصومها مما يصعب عمل الوزير. ويقول سفير فرنسا السابق للولايات المتحدة إنه ببساطة لا يعرف ما هي سياسة الولايات المتحدة بسبب التناقضات في تصريحات المسؤولين الأمريكيين.

ويقول الكاتب إن ترامب لم يبرع في إدارة الحكومة والتي تؤدي أحياناً إلى الوقوع في أخطاء بسيطة وأخرى جسيمة. ويشير إلى أخطاء تافهة مثل أخطاء في أسماء الدول والشخصيات في البيانات الرسمية بما فيها أخطاء في الإملاء وفي الحقائق وجهل واضح في الأمور. ويورد مثالاً أن البيت الأبيض أخطأ حين قال إن الرئيس الصيني شي جين بينغ رئيس لتايوان. وأيضاً عندما كشف الرئيس أسراراً حساسة أمام وزير الخارجية والسفير الروسيين.

وفي تقرير صدر مؤخراً لتصحيح مسار السياسة الخارجية الأمريكية من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن والذي كتبه المحلل العسكري والسياسي الشهير أنثوني كوردسمان أن على الولايات المتحدة ألا تتراجع عن دورها في العالم، بل أن تتخير في انخراطها في بؤر التوتر التي تشكل تهديداً لمصالحها. لا تستطيع الولايات المتحدة، حسب ما يقول كوردسمان أن تتبع سياسات انعزالية أو سياسات تسببت في أخطاء الماضي. فمن ناحية تستطيع الولايات المتحدة أن تؤمن نفسها بتبني سياسات دفاعية حصيفة وقوة ردع والتخيير في الولوج في مشكلات العالم. كما أنه يجب عليها أن تختار بعناية التزاماتها ومدى فعالية تدخلاتها العسكرية، «وعليها القبول بالحقيقة أنها لا تستطيع أن تكون شرطي العالم أو أنها تقدر على التخلص من المخاطر».

ويضيف كوردسمان إن على الولايات المتحدة أن تعيد حساباتها لجهة انخراطها في العالم. الولايات المتحدة لا تستطيع البقاء كقوة عظمى ومؤثرة دونما أن تنخرط في شؤون العالم؛ خاصة أن هناك من يتربص بالولايات المتحدة من منافسيها الدوليين والذين يسعون إلى توسع نفوذهم على حساب الولايات المتحدة. الولايات المتحدة عليها لعب دورها كقوة عالمية، ولا يجب أن تخفض قدراتها العسكرية وتواجد هذه القوات بشكل اعتباطي.

هذه هي خلاصة بعض السجالات في الولايات المتحدة بين الباحثين والمنشغلين بالشأن العام. وستعكس هذه السجالات نفسها على الانتخابات الرئاسية القادمة حيث سيخوض الأمريكيون معركة انتخابية قد تحدد هوية الولايات المتحدة السياسية لعدة عقود.

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات