طوكيو وسيؤول... تاريخ من التسليح

في يوليو الماضي، شددت اليابان قبضتها على بعض المواد إلى كوريا الجنوبية، الخاصة بإنتاج شبه الموصلات. وفي الثامن والعشرين من أغسطس، اتخذت الحكومة المزيد من الإجراءات وأزالت كوريا الجنوبية عن اللائحة البيضاء للدول الممنوحة معاملة تجارة تفضيلية.

وجاء الردّ الكوري الجنوبي على الخطوة متمثلاً بشطب اليابان عن لائحتها البيضاء، والإعلان بأنها قد تنهي اتفاقية الأمن العام لأمن المعلومات العسكرية بين البلدين. وقد شكلت الاتفاقية فيما مضى إطاراً لتبادل الاستخبارات الدفاعية حول مسائل تتعلق بالأسلحة النووية لكوريا الشمالية ونشر الصواريخ.

وتأتي تلك التطورات على خلفية مسألة التعويض على الكوريين المجندين كعمال في زمن الحرب لدى الشركات اليابانية. ففي خريف 2018 أصدرت المحكمة العليا في كوريا الجنوبية حكماً لصالح العمال السابقين، وطالبت الشركات اليابانية بالتعويض على الأفراد المعنيين. كما عمدت المحكمة في وقت لاحق إلى المصادقة على الحجز على أصول تلك الشركات بهدف الحصول على تعويضات للمدعين. عليه طالبت الحكومة اليابانية بتحكيم طرف ثالث إلا أن حكومة كوريا الجنوبية لم تمتثل.

وتحكم كل من اليابان وكوريا الجنوبية روابط وثيقة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. ويشكّل اعتماد كوريا الجنوبية على مواد ومكوّنات شبه الموصلات عاملاً بنيوياً أساسياً في الخلل القائم، علماً أن سيؤول هي موطن شركتي سامسونغ و«إس كيه هاينيكس» اللتين تشكلان على التوالي، ثاني وثالث أكبر مصنعي شبه الموصلات في العالم. إلا أن كليهما يعتمد على اليابان لتأمين احتياجاتهما من المواد الخام.

وتمتلك كوريا الجنوبية العديد من التجمعات الاقتصادية القوية إلا أن وحداتها المالية ضعيفة. وقد اقترضت شركات كورية رائدة مثل سامسونغ مبالغ طائلة من كبريات المصارف والجهات الدائنة اليابانية. وخلال الأزمة المالية الآسيوية لعامي 1997 1998، تراجعت العملة الكورية الجنوبية وعانت البلاد من نقص في العملات الأجنبية. واستجاب صندوق النقد الدولي لمناشدة سيؤول الإنقاذية بالموافقة على قرض. أما الحكومة اليابانية فقد استعانت ببنك اليابان لمدّ المصرف المركزي في كوريا الجنوبية بقروض مؤقتة قصيرة الأجل.

وبعيداً عن هشاشة كوريا الجنوبية الواضحة، فإنه يصعب على اليابان تسليح الموارد المالية، لما لذلك من ارتدادات كارثية على اقتصاد كوريا الجنوبية، كما على اليابان التي ستكون عرضةً كذلك لانتقادات عالمية واسعة النطاق.

وقد ترك تشابك المشكلات التاريخية والاعتماد الاقتصادي المتبادل، في النزاع الحالي السياسيين في كلا البلدين في حالة صراع لإيجاد حلّ. وقد اختارت كوريا الجنوبية في ظل ارتفاع حدة الصراع المتبادل تسليح التاريخ في حين عملت اليابان على تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل، في خطوة تمثل الجانب الأبرز للصراع الدائر. وتحاول إدارة رئيس الوزراء الياباني شينزو أبي استخدام نفوذها الاقتصادي لقمع تباهي إدارة رئيس كوريا الجنوبية مون جاي إن «بالتفوق الأخلاقي» في القضايا التاريخية.

وعادةً ما تجعل روابط الاعتماد الاقتصادي المتبادل من القوة شيئاً غير مرئي، فتخفي إمكانية التسلح في حال اقتضت الظروف. وقد اتسم الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين البلدين منذ توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات عام 1965 بعد تكافؤ في القوة المبني على التباين الاقتصادي الفاضح. وتؤمن كوريا الجنوبية في هذا السياق، بأنها قد أرغمت على القبول بتسوية النزاعات المتبادلة و«المبالغ المقطوعة» المتمثلة بالتعاون الاقتصادي.

وقد أسس التعاون الاقتصادي الياباني أسس تطور كوريا الجنوبية اللاحق إلا أنه أسهم كذلك في ازدهار الاقتصاد الياباني نفسه. ومع نمو القوة الاقتصادية الكورية الجنوبية، فتحت شهية سيؤول على «المطالبة باستعادة» ما لم تتمكن من المطالبة به عام 1965. وتبلورت تلك الرغبات السياسية حين تحوّل الرئيس الكوري الجنوبي الأسبق أول قيادي سياسي بعد الحرب يطأ أراضي جزر تاكيشيما المتنازع عليها في أغسطس 2012، ملمحاً بأن «تأثير اليابان الدولي لم يعد كما كان».

ولا تدخل المواجهة الحالية بين اليابان وكوريا الجنوبية في إطار الإشكالية الإيديولوجية التي يفرضها تحوّل إدارة مون الحادّ باتجاه اليسار والشمال. ولا بدّ هنا من نظرة متعقّلة إلى تبدّل ميزان القوى في العلاقات اليابانية الكورية الجنوبية.

* رئيس مبادرة آسيا -الهادئ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات