شعرة معاوية!

مما يروى عن الصحابي الجليل الأحنف بن قيس رضي الله عنه وقد كان يُضرَب به المثل في الخُلُق وشِدّة الحِلْم أنّ رجلاً شتمه وأساء له في الكلام، فلم يردَّ عليه ومشى في طريقه لكن الرجل لم يتوقف ومشى وراءه وهو يزيد في شتمه، فلما اقترب الأحنف من الحي الذي يسكن فيه، وقف وقال للرجل: «إن كان قد بقي في نفسك شيء فَقُلْه قبل أن يسمعك أحدٌ من الحيّ فيؤذيك» فخجل الرجل من نفسه وعاد!

ليس كل انتصار يحتاج عِراكاً، ولا كل موقفٍ مُلتَبِس يتطلب أنْ نُفتّش فيه، ولا كل كلمةٍ نسمعها ولا تروق لنا يجب علينا أن نرد عليها بأشرس منها، فكم مِن «تغافل» قد كان أقدر على الانتصار للإنسان مما لو قابل الإساءة بالإساءة، وكم من «تطويف» لأمر أو قول فيه لبس أو مداخل مختلفة قد حَفِظ المودّة بين الناس وقطع طريق الشر من بدايته، وكم من سكوت كان أبلغ من كل كلمات العتاب أو اللوم أو «تطليع الحَرّة»!

من الملاحظ على المشهد العام أنّ البعض أصبح يُعاني من حساسية مفرطة تجاه أي شيء يقرأه أو يسمعه وفيه ذكر اسم بلده، هذه الحساسية أصبحت عبئاً على المجتمع، لأنّها تُقدّم سوء الظن في الآخر وتخلق عداوات لا داعي لها وليس هذا أوانها أصلاً، فإنْ ذكر ذلك الشخص معلومة مُجردة أو كانت مُحالة إلى مصدرها الرسمي أتت التعليقات بأنّه كاره أو حاسد أو يخدم أجندات خفية، بل وصل ببعضنا هداه الله أن استشاط غضباً لتهنئة أحد المشاهير لبلدنا، وتم تحميل الجُملة التي ذكرها مالا تحتمل، وتم اعتبارها «نغزة» مُبطّنة ومحاولة تشويه دور شباب البلد، رغم أنني شخصياً لم أجد فيها أيّ أمرٍ يستدعي ذلك الغضب الذي استدعى دخول سيل جارف من الشباب ليكيلوا مزيداً من الهجوم على تلك الشخصية ويخرج بعضهم أصلحه الله عن حدود اللباقة في الحديث.

حقيقة لا أدري ما الحكمة من استعداء الآخرين وتضييق المعاني التي تحتمل السعة لكي نُخرِج هذا الشخص أو ذاك وكأنه يتعرّض لنا بالإساءة، إنّ تقديم سوء الظن ليس من مبادئ ديننا السمح ولا من قيم مجتمعنا السامية، والمسارعة للتهجّم دون تروّ تكون تبعاتها سيئة، أهم هذه التبعات أن يُوصَم مجتمعنا بالعدوانية أو أن تُعمّم سلاطة ألسنة البعض أو كلماتهم الشرسة على كافة أفراده، وتسوء الحالة عندما يكون لذلك المشهور ملايين المتابعين الذين سيرى أغلبهم بأنّ تلك الإساءة توجّه له شخصياً بالتبعية!

لا نختلف أنّ من أساء لنا صراحة فلا بد أن ينبري له أحد لنقض إساءته ودحضها بالحجة المقرونة بأسلوب الرد المتزن والمحترم، فالحق قويٌ بذاته ولا يحتاج لتطاول أو تجريح حتى يتّضح، بل العكس هو ما يحصل، فالكلام السييء تشمئز منه القلوب ولوكان يدافع عن حقيقة سليمة، فما بالك بمن أساء الرد على «تهنئة» وليس قدحاً، نحتاج لأن نتنافس في حُسن القول وجمال الرد وأن نُقدّم حسن الظن دوماً ما دام إليه سبيلا، وأن نجمع القلوب حولنا بطيب حديثنا، فلا يتعمّد اختلاق العداوات وكسبها عاقل!

على جانب موازٍ أيضاً، يثير الاستغراب أننا ما زلنا نُعاني في التفرقة بين اختلافنا مع الشخص لسلوك معين يمارسه أو عملٍ يقوم به، وبين خلافنا معه كشخص، فالمفروض منطقياً وأخلاقياً ودينياً أن يكون محور الخلاف في ذلك السلوك أو ذلك العمل، أمّا الشخص فمن حقه أن نحترمه ككيان دون إساءات تطال شخصه، فسيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا»، فينتقد السلوك ولا يذكر أسماء الأشخاص، فانتقاد السلوك تقويم وانتقاد الشخص تجريح وبين الاثنين بَونٌ شاسع!

لذا كان مؤلماً ولا يمثلنا أولاً كمسلمين يدينون بدين الخير والسماحة، وثانياً كعرب تنضح الكتب بمروءتهم ونُبل أخلاقهم و ثالثاً كأبناء زايد الذي نتأسى بِسَمْتِه وسِماته، أنْ نرى سخرية تطال أحد إخوتنا الذي استقال من منصب معين لم يُحقّق فيه النجاح المطلوب، والنجاح والإخفاق أمور تحدث على الدوام ولا يُعقَل أن يكون هناك إنسان يتمنى الفشل، وعندما لا نرى كامل تفاصيل الصورة لا يصح أن نُعطي أحكاماً قطعية بفشل شخص أو نجاحه دون أن نعرف حقيقة موقفه والتحديات التي كانت تعترضه والمعوقات التي لم يكن قادراً على تلافيها، ولا يصح أن تطال شخصه إساءات وسخرية لا نرضاها لأنفسنا، نعم نختلف معه على نتائج عمله، لكننا نحفظ له مكانته واحترامه كإنسان واجتهاده كمواطن مسؤول حاول ولم يوفَّق.

الانتصار للوطن ليس شرطاً أن يكون بالشدّة، وتصويب جوانب القصور لا يكون بالسخرية، ورُبَّ كلمة طيبة وأَدَت شرّاً قبل أن يولَد، وما دام في الأمر متّسع فلنُقدّم حسن النوايا ولنوجد المعاذير للآخرين، فلئن نُبقي ذلك الإنسان كصديق خيرٌ مِن أن نكسبه كعدو، ولنتوقّف عند أحد حُلماء أمّتنا العظام وهو سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهو يقول: «إنّي لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا شدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات