عين على مؤسسات القدس

في نوفمبر الماضي، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة مداهمات على عدد من المؤسسات الوطنية الفلسطينية العاملة في القدس الشرقية، وبعد أن صادرت وثائق وملفات وحواسيب، علقت على أبوابها نصاً صادراً عن وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان: «تقرر إغلاق هذه المؤسسات ستة أشهر؛ لقيامها بأنشطة تابعة للسلطة الفلسطينية ومخالفة لاتفاقية أوسلو».

الحملة والقرار شملا مكاتب الأوقاف الإسلامية للتربية والتعليم، وأحد المساجد الكبيرة (المسجد الرصاصي)، والمركز الصحي العربي، ومقر قناة تلفزيون فلسطين.

تقول المصادر الموثقة إن أي مؤسسة فلسطينية في القدس بغض النظر عن دورها ووظيفتها وأدائها، لم تنج منذ عام 1967 من الاقتحام أو الإغلاق الدائم أو المؤقت، أو حظر ممارسة النشاط، أو اعتقال القائمين عليها، أو إجبارها علي نقل متاعها وأعمالها إلى خارج المدينة.

وفي هذا السياق، الهادف إلى تكدير حيوات أصحاب زهرة المدائن التاريخيين، وصولاً إلى تهويدها، ومحو هويتها الحضارية العربية بجناحيها الإسلامي والمسيحي، تم التعدي على أكثر من مئة مؤسسة.

متابعة هذه الإجراءات عن كثب، تثير في الذهن مشاعر يختلط فيها الجد بالهزل بالسخرية المريرة.

ففي معرض تبرير التعديات ومحاولة تسويغها؛ يستند الإسرائيليون إما إلى قانون الطوارئ الذي يعود إلى زمن الانتداب البريطاني عام 1945، أو إلى الأوامر العسكرية الصادرة عن دوائرهم! وهكذا فإن المقدسيين محشورون، والأصح أنهم مرابطون، داخل سلة من قوانين القوى الاستعمارية القديمة والمعاصرة.

ولا مكان هنا أو مكانة للشرعية الحقوقية الدولية، الخاصة بالتعامل مع حالات الاحتلال وقت الحرب عموماً، ولا للقرارات الأممية الموصولة بواقع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية؛ التي اختص بعضها حصرياً بتجريم أي تغيير بالوضع الجغرافي والعمراني والسكاني والمؤسساتي في القدس.

يقارب الإسرائيليون قضية القدس، مساراً ومصيراً، من خلال منظوراتهم وقوانينهم ورؤاهم ورواياتهم الذاتية للمدينة؛ بمعزل عن أي اعتبارات أخرى.

وهم لا يرون حجم التناقض والغرور والاستعلاء على السنن والشرائع السماوية والوضعية، حين ينصبون أنفسهم في مقام الجلاد والقاضي، في قضية تكاد تعني نصف سكان المعمورة. هذا علاوة على أنهم يتغافلون عن بعض التعهدات؛ التي وعدوا بالتقيد بها.

ومن ذلك بلا حصر رسالة شيمون بيريس وزير خارجيتهم إلى يوهان هولست وزير خارجية النرويج؛ أحد أبرز عرابي عملية أوسلو في 11/‏‏10/‏‏1993، وموجزها أنه «سيتم الحفاظ على مؤسسات الفلسطينيين ومنافعهم ومصالحهم؛ التي تؤدي لهم مهمات حيوية اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وتعليمياً، وكذا الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وسنظل ملتزمين بحرية العبادة، وصيانة كل طائفة لتراثها ونظمها، في القدس الشرقية».

يدرك صهاينة اليوم أهمية الوصايا والسنن التي أورثهم إياها آباؤهم المؤسسون، لأجل إنجاز مشروعهم الاستيطاني في فلسطين بعامة، وتهويد القدس بخاصة.

فقد كان من رأي دافيد بن جوريون، مثلاً، أن الاستيلاء على «أورشليم»، أو استعادتها بزعمه، لا يرتهن فقط باستخدام الأداة العسكرية وحدها، وإنما يتعلق أساساً بتجريف معالم الوجود الحضاري الفلسطيني والعربي، ولو كان المقام يسمح، لأوضحنا كيف أن مطاردة المؤسسات الحاضنة لهذا الوجود؛ الساهرة على ترسيخه، تعود إلى البدايات الأولى للغزوة الصهيونية.

بن جوريون ورهطه من كهنة هذه الغزوة وروادها، كانوا على وعي عميق بالدور الفارق للأطر المؤسسية. كانوا يعلمون يقيناً أن فقدان سكان القدس الأصليين لهذه الأطر متعددة العناوين والوظائف، يعني تحولهم إلى سائبة، بلا طاقة حقيقية على مقارعة الغزاة.

ولا ريب أن هذا الفهم؛ الذي علينا الاعتراف بصحته، مازال يفعل فعله، ضمن أهم ثوابت الحراك الإسرائيلي في أحشاء المدينة. وليس يخفى على فطنة أي متابع أن هذا الحراك الهدام لا يستثني من جرائمه أي بنيان مادي أو معنوي يتبع أصحاب المدينة، كبر شأنه أم صغر.

في طول عالمنا الفسيح وعرضه، لن تعثر على خبر مفاده تحرك قوات مسلحة جرارة لمهاجمة بناية سكنية لأجل «هدم غرفتين، جرى بناؤهما دون ترخيص». لكن هذا ما حدث بالفعل في نوفمبر الماضي على أيدي سلطة الاحتلال في قرية السواحرة المقدسية.

القصد، أنه لا ينبغي استصغار أي جريمة يضطلع بها الإسرائيليون ضد هوية القدس، حتى وإن كان الأمر يتعلق باقتلاع فسيلة.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات