تركيا وغاز شرق المتوسط

أشك في أن الهدف من توقيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتفاق غير القانوني لترسيم الحدود البحرية مع فايز السراج رئيس ما يسمى حكومة الوفاق الليبية هو إشاعة التوتر شرق البحر المتوسط، وتوسيع مساحة عدم الاستقرار، التي ينشرها أردوغان في شمال العراق وسوريا وبحر إيجه، الأمر الذي أدى لعزلة تركية في الدوائر العربية والأوروبية، وتوتر علاقاتها مع الولايات المتحدة، فما هي دلالات توقيت هذا الاتفاق؟ وما هي الخيارات الليبية للتعامل مع هذا التحدي؟ وهل من رؤية للثلاثي المصري- اليوناني- القبرصي لإجهاض المخطط التركي؟

أطماع تاريخية

عام 2011 وفي ظل انشغال العالم والمنطقة بما يُسمى «الربيع العربي» أعلن أردوغان «رؤية 2023»، ونتيجة لطمع أردوغان في الأراضي العربية ودول الجوار فإن تركيا ومعها إسرائيل هما الدولتان الوحيدتان اللتان لم تضعا حدودهما البحرية لدى الأمم المتحدة، وهو ما يؤكد النوايا التوسعية لحكومة أردوغان التي اعتبرت «الربيع العربي» فرصة لخلخلة أمنية وسياسية في المنطقة، تسمح لتركيا بتحقيق أطماعها، حيث تعمل تركيا الآن على «تتريك» كل الشمال السوري بمنع الأسماء العربية وفتح فروع للجامعات والمدارس التركية، وتحدث أردوغان صراحة عما أسماه «إرث أجداده» في ليبيا، الأمر الذي دفع البرلمان الليبي لإصدار بيان أكد فيه أن التخلف والفقر والجهل والدماء هي إرث أجداده فقط. ووجد أردوغان في الخلاف الليبي الفرصة المناسبة للسيطرة على الغاز والنفط.

خيارات ليبية

المؤكد أن الشعب الليبي لديه الكثير من الخيارات لرفض هذا الاتفاق غير القانوني، فالمادة الثامنة من اتفاق الصخيرات تقول إن الاتفاقيات الدولية يجب أن يوقعها «المجلس الرئاسي ككل» وليس رئيس المجلس، كما أن حكومة السراج نفسها لم تحصل على موافقة البرلمان الليبي عندما عرضت على المجلس مرتين، بالإضافة إلي أن الاتفاقيات الدولية لا تعد سارية إلا بعد الموافقة عليها من البرلمان الشرعي، الذي رفض هذه الاتفاقية، ويشكل رفض البرلمان الليبي لهذه الاتفاقية «الأساس القانوني» لهدم وتعرية هذا الاتفاق، كما أن القبائل الليبية أعلنت حالة من «الانتفاض» ضد هذا الاتفاق القائم على مقايضة الغاز والنفط الليبي بالحصول على دعم عسكري غير قانوني أيضاً، حيث أصدر مجلس الأمن عام 2011 قراراً يمنع تسليح أي طرف من أطراف الصراع الليبية إلا بعد التوصل لاتفاق يشمل كل الليبيين، ناهيك أن اتفاق الصخيرات الذي جاء بالسراج عام 2015 انتهى عملياً بعد تجديده لعام واحد، أي في ديسمبر 2017، وهو ما يدفع البرلمان الليبي، للمطالبة بسحب الاعتراف بحكومة السراج من الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الإفريقي ومن ثم الأمم المتحدة.

أوراق دول الجوار

أما الدول الثلاث المستهدفة من هذا الاتفاق هي مصر وقبرص واليونان، فلديها الكثير من الخيارات، لأنه في الوقت الذي اكتشفت فيه مصر وقبرص كميات كبيرة من الغاز في حقل «ظهر» المصري، و«أفروديت» القبرصي فشلت تركيا في الحصول على غاز أو نفط في المياه والأراضي التركية، ولهذا تسعى لسرقة الغاز والنفط السوري، كما أن فشل تركيا في التحول لمركز إقليمي للطاقة، كما كان يحلم أردوغان دفعها للتوقيع على هذا الاتفاق بغرض منع ترسيم الحدود البحرية بين قبرص وليبيا من جهة، وقبرص واليونان من جهة أخرى، وعرقلة خط الغاز الذي سيخرج من «أفروديت» القبرصي القريب من مدينة ليماسول لميناءي إدكو ودمياط في مصر ومنها إلى جزيرة كريت اليونانية حتى يصل لغرب أوروبا.

المؤكد أن أردوغان لن ينجح في كل هذه المؤامرات لأن قضية الغاز في شرق المتوسط قضية أوروبية بامتياز، فالاتحاد الأوروبي ينظر إلى الغاز شرق المتوسط باعتباره أهم مصادر الغاز لدول الاتحاد في المديين المتوسط والبعيد بعد المشاكل التي يعاني منها خط الغاز الروسي العابر من أوكرانيا، ورفض الرئيس ترامب لاستكمال خط الغاز الروسي- الألماني «نورد ستريم 2» وتراجع صادرات الغاز لأوروبا من الجزائر والنرويج، وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي يقف بصرامة ضد المخطط التركي في ليبيا.

هكذا أصبحت تركيا في عهد أردوغان القاسم المشترك في كل أزمات وخلافات المنطقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات