عين على المستقبل

كل الشعوب تحتفل بأيامها الوطنية باستذكار الماضي، إلا شعب الإمارات، فهو يحتفل بيومه الوطني باستذكار الماضي واستشراف المستقبل. هذا هو الفرق بين دولة الإمارات، التي حباها الله بقادة وشعب استثنائيين، وبين غيرها من الدول الأخرى.

قبل أن تبدأ احتفالات الدولة باليوم الوطني الثامن والأربعين، انعقدت أعمال الدورة الثالثة للاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات 2019 في العاصمة أبوظبي، بمشاركة أكثر من 500 شخصية قيادية وطنية من الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية.

واستعرضت الاجتماعات مراحل تطبيق مئوية الإمارات 2071، وخطط وبرامج العمل الحكومية للسنوات العشر المقبلة، والتي تمثل المرحلة الأولى من المئوية، كما ناقشت سبل تعزيز تكامل الجهود الوطنية، وتطوير البنية التحتية المستقبلية للدولة.

وقد كان بإمكان حكومة الإمارات أن تقتصر التخطيط للمستقبل على الوزراء والمسؤولين فقط. فهذا هو ما تفعله أغلب الحكومات في النطاق الذي نعيش فيه، وفي نطاقات كثيرة من العالم، لكن حكومة الإمارات عملت على إشراك 300 مواطن إماراتي في جلسات التصميم التشاركي لمستقبل الدولة، وضمت المشاركات كبار المواطنين، وأصحاب الهمم، والمتقاعدين، وأولياء الأمور، وعدداً من الأطفال والشباب والمتخصصين ورواد الأعمال، بهدف تبادل الأفكار ومشاركة الرؤى لتصميم المبادرات والبرامج.

هذا هو الفرق بين حكومة دولة الإمارات وغيرها من حكومات الدول الأخرى، وهذا ما يجعل للاحتفال باليوم الوطني مذاقاً مختلفاً لدى أبناء دولة الإمارات، ولدى المقيمين على أرضها، الذين يقارن الكثير منهم بين البلدان التي قدموا منها، وبين هذا البلد المطمئن الآمن بفضل قادته الحكماء وشعبه الطيب. فدولة تحتفل بيومها الوطني، الذي يذكرها بماضيها المجيد، وهي تفكر في مستقبلها، وتخطط له، وتحاول إسعاد شعبها، والمقيمين على أرضها، من خلال توفير أفضل تعليم، وأفضل مجتمع، وأفضل اقتصاد، وأفضل حكومة؛ دولة تحتفل بيومها الوطني وهي تعمل على تعزيز جودة الحياة، واستخدام أحدث وسائل التكنولوجيا الحديثة، هي دولة مستقبل مشرق، وليس ماضياً مجيداً فقط.

الانشغال بالمستقبل لا يعني إطلاقاً نسيان الماضي. ولمؤسس دولة الإمارات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقولات كثيرة في هذا الشأن، لعل أشهرها مقولته التي نرددها دائماً «من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل».

لكن بعض الشعوب تنغمس في الانشغال بالماضي على حساب الحاضر والمستقبل، وهذا هو ما يحاول قادة دولة الإمارات وشعبها أن ينأوا بأنفسهم عنه. لذلك فهم يضعون الماضي في قلوبهم ووجدانهم؛ يعتزون به لأنه يحمل بين طياته جهود الآباء المؤسسين، كما يحمل عبق التاريخ المشرف لهذه الأرض التي حباها الله بزعماء آمنوا بأن مصيرها هو الاتحاد، فعملوا يداً واحدة من أجل بناء مستقبلها، لتجنيب أبنائهم ما عاناه الآباء والأجداد قبل تدفق النفط من أرضها.

وقد كان لهذا الذهب الأسود دور لا يمكن إنكاره في نهضة هذا البلد وتطوره، لكن النفط ثروة ناضبة، والاعتماد عليه بشكل كلي يجعل مستقبل البلد مهدداً، وقد أدرك قادة الإمارات ذلك فعملوا على توفير مصادر بديلة للنفط.

ولذلك قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في كلمته التي ألقاها خلال القمة الحكومية عام 2015: «سيأتي وقت بعد خمسين عاماً، سنحمّل فيه آخر سفينة آخر برميل نفط. والسؤال بعد خمسين عاماً، بعد تحميل هذا البرميل: هل سنحزن؟ إذا كان الاستثمار اليوم صحيحاً، فإنني أراهن على أننا سنحتفل في تلك اللحظة».

هكذا فكر مؤسسو دولة الإمارات الأوائل قبل 48 عاماً، وهكذا يفكر أبناؤهم اليوم. لذلك فإن بلداً يفكر قادته في حفظ ثروته، وتأمين مستقبل أبنائه هو بلد محظوظ بقيادته.

وقد رأينا خلال التاريخ القريب كيف بدد قادةٌ ثروات بلدانهم، وكيف أدخلوها في حروب ومغامرات، فكانت النتيجة خراباً ودماراً يعاني منه أبناؤها اليوم، وستظل الأجيال القادمة تعاني منه وتصطلي بناره، لأن المغامرة بثروات الشعوب ومقدراتها لا تنعكس على الحاضر فقط، وإنما تمتد آثارها عقوداً طويلة من الزمن. ولنا فيما حدث ويحدث في بلدان عربية شقيقة أمثلة ودروس وعبر.

ما حدث في الإمارات خلال السنوات العشر الأخيرة كسر حاجزاً كان البعض يظنه كبيراً، وحطم فكرة المستحيل التي لا يؤمن بها قادة الإمارات، ويفضلون أن يطلقوا عليها تحديات. فأن يصنع أبناء الإمارات بأيديهم وحدهم، ودون مساعدة من أحد، قمراً اصطناعياً، هو خليفة سات، هو إنجاز يدخل في خانة كسر هذا الحاجز.

وأن يتمكن أحد أبناء الإمارات من الوصول إلى المحطة الفضائية الدولية، كما فعل هزاع المنصوري أول رائد فضاء إماراتي، يدخل في خانة كسر هذا الحاجز أيضاً. وأن يعمل أبناء الإمارات على صنع مسبار يصل إلى كوكب المريخ مع احتفال دولتهم بيوبيلها الذهبي يثبت أن التفكير في المستقبل هو هاجس قادة دولة الإمارات وشعبها.

لهذا نقول إن كل الشعوب تحتفل بأيامها الوطنية وهي تنظر إلى الماضي إلا شعب الإمارات، فهو يحتفل بأيامه الوطنية المجيدة وعينه على المستقبل.

 

ـــ كاتب إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات