رأي

غزة والعدوان المتكرّر

«وجبة» جديدة من الصواريخ سقطت فجراً على غزة، ولم يكد يمر أسبوعان على العدوان الأخير، حتى باتت غزة مختبراً لصانع القرار الإسرائيلي أو صندوق بريد لتوجيه الرسائل، وربما ميناء لاستقبال الأزمات المصدّرة من «موانئ» السياسة الإسرائيلية.

وإذ تموج توقّعات بتصعيد إسرائيلي محتمل جنوباً أو شمالاً، فإن جولة الأيام الثلاثة من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، تقول أشياء كثيرة، منها تكريس حالة تكرّرت في السنوات الأخيرة، وهي أن «إسرائيل» باتت توافق على «وقف النار» بعد يومين أو ثلاثة من عدوان يثير في بداياته توقعات بمواجهة طويلة.

صحيح أن العدوانية كما العنصرية مكون أساس في البنية الصهيونية، وصحيح أن جولات العدوان تحمل عادة رسائل سياسية، أو تعكس محاولة لتصدير أزمة داخلية، لكن لو كان العدوان غير مكلف، لما وجدت «إسرائيل» سبباً لوقفه، خصوصاً أنها دائماً ما تتحدث عن أهداف «تتحقق»، وخصوصاً أيضاً أنها تحظى بدعم نصف العالم وصمت نصفه الآخر.

«إسرائيل» هذه كانت تتعامل في صراعها مع الفلسطينيين وبقية العرب، وفق قاعدة الهجوم وحصر المعركة في أرض العدو، واعتبار الحرب هجوماً من طرف واحد، وتتعامل مع الساحات المستهدفة كأنها حقل كرمة تقطف منه العنقود الذي يروق لها، وتعود من دون أن تدفع أي ثمن، لدرجة أن أحد قادتها قال ذات يوم، إن اجتياح لبنان لا يحتاج أكثر من فرقة موسيقية.

الجديد في الجولة الأخيرة، أن الإخراج الإسرائيلي تعمّد إظهار ما جرى وكأنه صراع بين «إسرائيل» وفصيل فلسطيني بعينه. وهي كانت تظن أنها ستنفرد بهذا الفصيل وتكسر شوكته. لكن، ما حصل أن الكل الفلسطيني أجمع على إدانة العدوان ورفض اعتبار الاستهداف محصوراً بفصيل، بمعزل عن تفاصيل أو مآخذ على هذا الفصيل أو ذاك، أو حتى الأداء الفلسطيني برمّته، رسمياً وشعبياً.

حين نقول إن الكل الفلسطيني أجمع على إدانة العدوان، فهذا لا يعني أن الوضع الفلسطيني يمثّل حتى الحد الأدنى من المأمول، إنما يعني أن جزئية الاستفراد لم تنجح، رغم بعض الأصوات النشاز التي تخرج عادة في مثل هكذا مناسبات، وأصبحت جزءاً من المشهد الفلسطيني، والعربي.

«إسرائيل» أُنشئت في رحم انقسام عربي وإسلامي وتغذّت من مشيمة الغرب الإمبريالي غطاء ومالاً وسلاحاً. الانقسام الفلسطيني ولد من رحم واقع أوجدته «إسرائيل» عمداً، إذ أنتجت بإطالتها أمد اغتصاب الأرض وتشريد أصحابها، تعدّدية في الوسائل والأهداف الفلسطينية، بدأت تكتيكاً واستراتيجية، وأضحت تسليماً بأمر واقع.

في محصلة الرؤى، ينبغي القول إن الجسد الفلسطيني قد أثخنه الانقسام أكثر مما آلمته عدوانية المحتلين، لأن هذه تفاقمت بفعل هذا، بل إن الانقسام أدخل معادلة «السبب والنتيجة» في متتالية تتزحلق على الدم الفلسطيني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات