عودة نجومية القراءة

جاءني أمس شاب في معرض الكويت الدولي للكتاب في أثناء حفل توقيعي لإصدارين جديدين فقال حرفياً: «أنت الذي حببتني في القراءة» وإذا به يحمل معه كومة كتب جمعها من المعرض. ظننته يجامل لكنه أكد لي أنه بالفعل استمتع بكتابي الأول ومنها انطلقت رحلة حبه للقراءة. وقال الأمر نفسه شاب آخر صعد خشبة المسرح في جامعة الكويت بعيد إلقائي لمحاضرة هناك.

ولا يبدو أن هذا الشاب هو الوحيد الذي يحترم الكتب أو يقرأ، فقد وجدت صعوبة بالغة طوال الأيام الماضية في الحصول على موقف سيارات بمعرض الكويت للكتاب الذي يتسع لآلاف المركبات.

وكما جرى العرف فإن معرض الكتاب الرابع والأربعين يرتاده أفراد الأسرة والأصدقاء في سيارة واحدة، أي أن أعداد الزوار ربما ضعف المواقف. وهذا مؤشر محتمل على أن الأعداد الغفيرة التي شاهدتها كانت تبحث عن كتاب خصوصاً أنه ليس هناك فعاليات تذكر.

وتذكرت عبارة الأديب الكويتي طالب الرفاعي، أمس، حينما قال في مقاله: «إن معارض الكتب في الوطن العربي تدحض تماماً ما يُقال عن أن الشعوب العربية لا تقرأ» فهو يرى أننا صرنا بحاجة لمسح جديد، حول ظاهرة القراءة في الأوطان العربية.

فصحيح أن هناك نسب أمية، وصحيح أن الظرف المحلي لبعض شعوب المنطقة ظرف قاهر وعدواني وقاتل، وصحيح أن شعوباً عربية كثيرة تقدم تضحيات مؤلمة، لكن الصحيح أيضاً أن شباب هذه الأمة باتوا قريبين من الفكر والقراءة والكتابة.

لا شك أن القراءة في الوطن العربي لا تقارن بالبلدان الغربية، إلا أنه في رأيي فإن لارتفاع الإقبال عليها في الآونة الأخيرة أسباباً عديدة، منها الفضول الذي ولّدته وسائل التواصل الاجتماعي بترويج المؤلف لكتابه، فلم يعد المرء ينتظر تلفزيونات رسمية أو صحفاً تقليدية لتبث الخبر، ولا يحتاج إلى إذن من وزارات الإعلام لبث حي لوقائع حفل التوقيع أو الترويج المسبق لحفلاته على الهواء مباشرة.

شخصياً سألت معظم من جاءني: من أين سمعت عن كتابي «عقلية الإسفنجة» وكتاب «لماذا نكره الاجتماعات» فكانت إجابات معظم الحضور: من حسابك في إنستغرام. علماً بأني أنشط في تويتر أكثر من إنستغرام، كما أن خبر التوقيع نشرته معظم الصحف التقليدية، لكن وسائل التواصل الاجتماعي هي السائدة ترويجياً.

وما حدث مع تحدي القراءة الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ومفاجأة مشاركة أكثر من 13 مليون شخص وآلاف المدارس العربية لهو حدث مثير ومؤشر على أن الناس مستعدة أن تشارك في فعاليات مرتبطة بالكتب شريطة أن تجد فكرة مثيرة للاهتمام أو إبداعية أو محتوى عربياً جاذباً.

ولذا فإن دورنا ككتّاب وجهات خاصة وعامة أن ندعم المحتوى العربي فهو مستقبلنا وأملنا في نهضة العرب. فمن خلال هذا العقد الذي يربط 22 دولة (أي اللغة) نستطيع أن ننهض ونتبادل المعرفة والتجارب ونستورد خير ما توصلت إليه البشرية من علوم، وأفكار، وحلول، ومشاريع مشرقة إلى لغة الضاد. وهذا أحد أسباب إصراري وإصرار آلاف الكتاب العرب على الكتابة بالعربية مع إجادتنا للغة ثانية كالإنجليزية.

شخصياً أتمنى أن يتبنى أحد ما رأيته في بريطانيا بمدرسة «حكومية» في بريطانيا تطبق نظام الـ10 دقائق بعنوان «اترك كل شيء… واقرأ»، وهي فقرة تبدأ بها بعض الساعات الدراسية، بحيث تمنح الطالب فرصة لقراءة ما يحلو له.

ومن لم يتسنَ له إحضار كتابه يمكنه انتقاء ما يريد من إصدارات من رف مكتبة الفصل. وما شاهدته من وراء النوافذ هناك أثلج صدري، حيث كان الجميع منهمكاً في القراءة. وليت أحد يتبنى تطبيق ذلك في المناهج العامة، فمن شبَّ على شيء شاب عليه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات