كل السلطة للشعب

أثناء الثورة البلشفية 1917 في روسيا كان شعار «كل السلطة للشعب» شعاراً أخاذاً رفعه فلاديمير لينين، ولم يكن جديداً كل الجدة، فقد كان شعاراً للثورة الفرنسية، وبعدها كان شعاراً للفوضويين الذين اعتبروا كل أشكال الدولة نوعاً من الطغيان وسبيلاً لأشكال مختلفة من الديكتاتورية.

الأصل القديم للموضوع كان في دولة المدينة اليونانية، أثينا خاصة، فقد كان ممكناً للمواطنين الأحرار أن يحكموا مباشرة، ويستفتوا في أمور الحرب والسلام، فكانت الهزيمة من أسبرطة، ما ثبت بعد ذلك أن الغالبية من أشكال الثورة ــ ما عدا الثورة الأمريكية ــ ولدت أنواعاً مختلفة من مركزية السلطة ديكتاتورية أو أوتوقراطية أو استبدادية.

ما كان مطلوباً للشعب كله بات في يد زعيم ملهم عادة، أو قائد لمجلس قيادة الثورة أو الشعب، أو حفنة من الضباط الأحرار، أو اللجنة التنفيذية للحزب الثوري.

أحياناً كانت ثورة الشعب، ويقال عنها الجماهير، تجري في بلدان كثيرة في نفس الوقت، حدث هذا في عام 1968عندما جرى في دول ما بات معروفاً بعد ذلك بثورة «الطلبة»، اشتعلت الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا واليابان، كانت المظاهرات تريد «إسقاط النظام» البورجوازي والرأسمالي.

قيل أيامها إنها كانت بسبب حرب فيتنام، كما قيل إنها كانت ثورة على جيل الحرب العالمية الثانية لكي يحل محلها جيل جديد، وبلغ التحرر فيها مبلغه، فكانت الثورة شرارة فنون دارت حول الجنس والمخدرات.

في أمريكا خلقت صداماً بين الشباب والسلطة، العجيب رغم ذلك كله أن الشعب الأمريكي انتخب ريتشارد نيكسون الذي خرج من السلطة بعد ذلك ملعوناً فيما عرف بفضيحة «وترجيت»!

في مطلع العقد الحالي نشبت مجموعة من الثورات في المنطقة العربية سماها الغربيون «الربيع العربي»، ولم يكن «الربيع» ربيعاً من أي نوع، فقد انتهى الأمر إلى حكم الإخوان المسلمين في مصر حتى نشبت ثورة أخرى أطاحت به، ونشبت الحرب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا، ولم ينته العقد إلا ونشبت ثورات أخرى لا تزال جارية في لبنان والعراق والجزائر، والعجيب أن الموجات العربية من الثورة كان لها ما يشبهها في العالم في الإكوادور وشيلي وبوليفيا في أمريكا الجنوبية، وفي آسيا فإن التظاهرات جرت في «هونغ كونغ»، وفي أوروبا فإنها جرت تحت اسم «السترات الصفراء» في فرنسا، وفي إسبانيا فإن كتالونيا وبرشلونة اشتعلت هي الأخرى من أجل الاستقلال، أما في بريطانيا فإن المظاهرات كانت من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي أو البقاء فيه.

ما جمع كل أشكال «الربيع» هو رغبتها أولاً في الإطاحة بالنظام القائم أو الحالة القائمة، ولكنها ثانياً لم تكن تعرف ما تفعله بعد ذلك، فلم يكن كافياً أن تستقيل الوزارة القائمة، ولا وعود التغيير كانت كافية، فالشعب كان «يريد» الإطاحة بالطبقة السياسية، أو «كلن» كما ذاع في لبنان من شعار.

وثالثاً فإن البعد الاقتصادي وشعارات الرغبة في توزيع الثروة كانت شائعة، ولكنها في معظم الأحوال لم تكن ثورة الفقراء، وفي السودان استخدموا تعبير «المهمشين» للدلالة على الحرمان الاقتصادي في أقاليم بعينها لا يشملها المركز، أو العاصمة، بنصيب من الثروة والتنمية، وعلى الأغلب فإنها كانت ثورات الطبقات الوسطي التي لم تفلح في أن تكون من الطبقات العليا.

آخر الثورات تجري حاليا في إيران، ومن العجب أن المرشد العام للثورة الإيرانية عقب على ثورات «الربيع العربي» المزعوم السابقة واللاحقة بأنها امتداد للثورة الإيرانية التي جاءت برجال الدين إلى الحكم، وأعطت المرشد العام من السلطة ما يكفي الخلفاء وأمراء المؤمنين وأئمة الشيعة الغائب منهم والحاضر.

الآن جرت الثورة في اتجاهات عكسية من العراق إلى إيران، ومن بغداد إلى طهران، وحتى وقت كتابة هذه السطور فإن شرارة الثورة قد شملت مئة مدينة إيرانية، وسقط فيها القتلى والجرحى، واشتعلت فيها الحرائق، وجرت المطالبة بإسقاط النظام، أي حكم آيات الله أو الملالي كما ينعتون. ما سوف يحدث بعد ذلك في هذه الثورات ما زال في طي الغيب، والمرجح أنها سوف تظل معنا لسنوات مقبلة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات