أمريكا وإسرائيل والعرى التي لا تنفصم

بعد أن اعترفت إدارة الرئيس دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل واعترفت بضم أراضي الجولان السورية، تعلن اليوم عن أن بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لا يعتبر خرقاً للقانون الدولي.

وبهذا الإعلان تكون الإدارة قد غيرت السياسة الأمريكية الراسخة لعدة إدارات خلت والتي اعتبرت بناء المستوطنات مخالفاً للقوانين والأعراف الدولية، بل أنها عقبة في سبيل السلام. والأهم من ذلك أن فكرة أن الضفة الغربية أراض محتلة أصبحت مسألة فيها وجهة نظر حسب الموقف الأمريكي الحالي.

والسؤال يتكرر عن العلاقة الخاصة بين الدولتين وتعددت الروايات عن سر العلاقات الحميمية بين واشنطن وإسرائيل. وتعتبر نظرية اللوبي الإسرائيلي الرواية الأكثر رواجاً لتفسير طبيعة العلاقة.

ولعل عالمي العلاقات الدولية الشهيرين ستيف والت وجون ميرشايمر أكثر من وثق دور اللوبي الإسرائيلي في خلق هذه العلاقة الخاصة في كتابهما الخلافي بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية».

أما التفسير الآخر الذي يؤطر للعلاقة الاستثنائية هو الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل كقاعدة أمريكية متقدمة في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الاستراتيجية. وترى هذه النظرة أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل خارج الاعتبارات العاطفية والسياسة الداخلية للولايات المتحدة.

وأن سبب نجاح اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة هو انه يدفع بنفس السياسات التي تحبذها واشنطن، وليس العكس. ويتبنى هذا الموقف على سبيل المثال، إيه إف كي اورقانسكي في كتابه «صفقة الـ 36 بليون دولار الرابحة: الاستراتيجية والسياسة في مساعدة الولايات المتحدة لإسرائيل».

والآن هناك نظرية ثالثة حول العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وترى هذه النظرية أن واقع الأمر يشير إلى أن العلاقة مبنية على أسس ثقافية تصير العلاقة إلى تماسك صلب يقاوم التغيرات التي تطرأ على البلدين. وتقول بهذه النظرية الباحثة إيمي كابلان، الأستاذة في جامعة بنسلفانيا المرموقة والمتخصصة في الدراسات الأمريكية، كتفسير مختلف حول هذه العلاقة في كتابها الحديث «إسرائيلنا الأمريكية: قصة تحالف متشابكة».

وتقول الكاتبة إنها استعارت عبارة «إسرائيلنا الأمريكية» من موعظة ألقاها قس يدعى أبيل أبوت في 1799 يتحدث عن استثنائية أمريكا والتي تتماهى مع إسرائيل التوراتية. وقال إن «شعب الولايات المتحدة هو الأقرب موازاة إلى شعب إسرائيل الغابر عن أي شعب آخر على وجه البسيطة» (ص. 5).

وتضيف أن قصة هذه العلاقة متكونة بسبب مدركات الأمريكيين «ومشتبكة بأساطير قوية متعلقة بوشائج القربى والميراث، وبالمعاناة والخلاص» للشعب اليهودي (ص. 2). ولم تكن العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل فحسب، بل شملت الفلسطينيين حيث أخرجت السردية الرئيسة هذا الشعب من الوجود ونكرانه في المخيلة الشعبية الأمريكية (ص. 4).

وتشمل هذه السردية حول تأسيس إسرائيل والتي تتجاوز المشروع القومي إلى ما أسمى من ذلك: فإسرائيل «منارة للعالم، نموذج للانبعاث، ومثال لمقاومة الاستعمار. ولعل الحديث المتكرر حول أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط لا تعكس القيم الأمريكية فحسب، بل تجعل من «إسرائيل فريدة ومثالاً بين جيرانها»(ص. 6).

ترى الكاتبة أن أساس الانحياز الكامل إلى الفكرة الصهيونية، ودولة إسرائيل فيما بعد، مرتكز على عملية تطورت فيها السرديات التي تمخضت عنها هذه العلاقة المتشابكة.

وتضيف بأن الولايات المتحدة واجهت لأول مرة مسألة فلسطين في قضية سكان المعسكرات النازية في الأجزاء التي احتلتها القوات الأمريكية بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

وقد واجه الأمريكيون هذه الأعداد الغفيرة من بقايا ضحايا المحرقة النازية ولم يكن لديه حل في إعادة معايشهم إلى ما قبل الحرب (ص. 12-13).

ورغم أن كثيراً من الخبراء بما فيهم وزارة الخارجية الأمريكية وعالم الفيزياء الأشهر ألبرت أينشتاين كانوا يعارضون قيام دولة يهودية، إلا أن الخطاب المساند للحركة الصهيونية لقي صدى أكبر.

وقد رأى هؤلاء المتحزبون للصهيونية في الحركة إعادة إلى ما قد حصل في القارة الأمريكية حين استوطن الأوروبيون البيض هذه القارة رغم أنف السكان الأصليين. وقد كتب أحدهم أن الحركة الصهيونية ما هي إلا محاولة من قبل اليهود الأوروبيين لبناء وطن قومي في ارض فلسطين كما فعل الأمريكيون من قبل.»

وأن الأمريكيين سيمنحون المستوطنين اليهود حسن الظن، وينظرون إلى العرب على أنهم السكان الأصليون والذي يجب دحرهم قبل أن تبتدئ مسيرة التقدم)، بل إن البعض كان يرى في تبني قضية حق تقرير المصير للفلسطينيين العرب كتبني قضية الهنود الحمر أثناء استيطان الأوروبيين للقارة الأمريكية (ص. 19-21).

كتاب كابلان في غاية الأهمية يسد فراغاً حول الأسس الثقافية والفكرية لعلاقة حيرت الكثيرين. كابلان تسبر أغوار المنتجات الفكرية والأدبية والفنية لفهم وتحليل هذه العلاقة. ولا يوفي هذا العرض البسيط حقها الكامل فيما حققته من شق طريق آخر لفهم طبيعة العلاقة بين إسرائيل وأمريكا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات