في نقد «المكلمة الأوروبية»

أوشك الجمهوريون بزعامة دونالد ترامب على نهاية العام الثالث من ولايتهم في سدة الرئاسة الأمريكية، دون ظهور أي بادرة للتلاقي، أو حتى للتوافق، مع مواقف الشركاء الأوروبيين تجاه تسوية القضية الفلسطينية. التمايز والاختلاف في هذا الإطار لم يكن مفاجئاً بالنسبة للأخيرين.

ويشهد بهذا مؤتمر باريس للسلام في الشرق الأوسط؛ الذي دعت إليه ورعته باريس، قبيل تسلم إدارة ترامب لمفاتيح البيت الأبيض بأسبوع واحد (15/‏1/‏2017 ).. وذلك بغرض التأكيد على تمسك نحو سبعين دولة ومنظمة إقليمية ودولية بحل الدولتين، وإطلاق ما يشبه التحذير من عواقب مضي الإدارة الأمريكية، العتيدة وقتذاك، في تطبيق مفردات خطابها المنحاز كلياً لإسرائيل.

من نافلة القول إن ترامب وبطانته لم يعبأوا بهذا النداء، بل وتبنوا خلال سنوات حكمهم مقاربة تنم عن نزعة قوية لتحدي التوجهات الدولية دون مراعاة لخواطر الأوروبيين وسياساتهم القومية أو الاتحادية. تجلت هذه النزعة الانفرادية الاستعلائية في قرارات واشنطن المتوالية المعاكسة على طول الخط لكل الميراث الحقوقي والسياسي والأخلاقي الدولي وجهود التسوية، الخاصة بقضية الشرق أوسطية منذ 1967.

في هذا السياق، تبدو إدارة ترامب وكأنها كسبت الرهان على عجز الأوروبيين، وسواهم بالطبع، سواء لجهة لجم جموحها وراء التنمر الإسرائيلي، أو لجهة عدم القدرة على تطبيق رؤى مؤتمر باريس وإيجاد الراعي البديل لعملية التسوية. هذا علاوة على تنحية أدوار الأطر المتوفرة أصلاً من قبل، كالرباعية الدولية أو حتى الأمم المتحدة بقضها وقضيضها.

لكن اللافت أيضاً أن الأوروبيين لم يفقدوا رشدهم أو اعتدالهم النسبي إزاء المبادئ والأسس؛ التي يرونها معقولة لإنجاز هذه العملية. وأنهم لم يتخلوا عن التناظر والجدال الناعم؛ غير الزاعق وغير المفتوح، مع إدارة ترامب.

ومن آخر المثلات في هذا المضمار قرار محكمة العدل الاتحادية في بروكسل (12/‏11/‏2019)، الذي قضى «بوجوب وضع ملصقات للتعريف بالمنتجات المصنعة في المستوطنات الإسرائيلية، كي يتمكن المستهلكون من اتخاذ اختيارات مبنية على هذه المعرفة».

بعد أسبوع واحد بالتمام من هذا الحكم، خرج وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على الناس أجمعين، بموقف يكاد يذهب بعقل الحليم: «المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لا تنتهك القانون الدولي، وهي تعكس الحقيقة على أرض الواقع».

هنا عجل الأوروبيون بالتأكيد على أن «جميع الأنشطة الاستيطانية غير شرعية بموجب القانون الدولي؛ وتحد من جدوى حل الدولتين وفق قرار مجلس الأمن رقم 2334، وتمثل إسرائيل سلطة احتلال وعليها أن تتصرف على هذا الأساس». واللافت أن فيديريكا موغيريني، منسقة الشؤون الخارجية الاتحادية وصاحبة هذا التصريح، لم تتطرق إلى التحول الذي أعلنه بومبيو، ولا أشارت إليه، ما يوحي بالحرص الأوروبي على ما نصفه بالتعارض أو التلاسن المضمر وغير الخشن مع الحليف الأمريكي.

النظرة البانورامية تشي بأن الأوروبيين، ولأكثر من أربعين عاماً، دأبوا على مقاربة المعضلة الفلسطينية وكأنهم يسيرون على حبل مشدود. وعند التأمل في التفصيلات ربما تيقنا من أن القوم يودون إرضاء جميع الأطراف. وهذا يشمل مروحة واسعة من المتداخلين والمعنيين من أصحاب الأجندات والمصالح المتباينة. وعلى ذلك، فإنهم يحتاجون إلى معجزة في زمن اللا معجزات.

تقديرنا أن الأمر أكثر بساطة مما يصوره أهل السياسة والحكم في القارة العجوز، كي يبرروا لأنفسهم أو لشعوبهم أو للآخرين سياسة التواكل والقعود على ضفاف المشكلة. ففيما يخص مسألة الاستيطان، يستحق التشبث الأوروبي بحبل القانون الدولي كل الثناء، أقله قياساً بالتبجح الأمريكي. لكن هذا الموقف النظري لا ينبغي أن يحجب عن الأعين والعقول قدرة الأوروبيين العملية على لي ذراع إسرائيل.

ذلك بأنهم يمثلون الشريك الاقتصادي التجاري الأول لهذه الدولة المارقة؛ ولو صح لديهم العزم، لتجاوزوا مجرد الطلب المخملي بوسم منتجات المستوطنات، إلى ممارسة سياسات أكثر جدوى وتأثيراً بحق إسرائيل، الدولة والمستوطنات والمستوطنين معاً، كتقييد الواردات وحظر استقبال المستوطنين، وتجريم حاملي الجنسيات الأوروبية المزدوجة منهم، ومنع تمويلهم أو جمع التبرعات لجمعياتهم على الصعيدين المدني والرسمي.

وقد لا يعلم البعض أن لدى المفوضية الأوروبية تصريح حول المبادئ التوجيهية للعلاقة مع إسرائيل، يعود إلى 19/‏7/‏2013، ينص على فرض عقوبات معينة ضد المنظمات والنشاطات الإسرائيلية متعددة الأشكال؛ التي تجري في الأراضي الخارجة عن سيطرة إسرائيل قبل عام 1967. وهذا يثير السؤال القديم الجديد، عما يحول بين الأوروبيين وبين تفعيل هذه المرجعية ونحوها؟

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات