د. الربيعة وأنشطة السعادة

لفتني قبل أيام، مشهد وزير الصحة السعودي الأسبق، د.عبدالله الربيعة، الجراح ذائع الصيت في فصل التوائم، وقد أحاطت به عدسات الكاميرات من كل جانب، وهو يهمّ بالخروج من غرفة العمليات، عندما كان يبشر أحد أقرباء طفلين ليبيين (ساميين)، نجح في فصلهما عن بعضهما البعض، في حين والدهما يكفكف دموعه في ما يبدو.

هذا الشعور الفوري بالسعادة، الذي تولّد لدى الطبيب السعودي، يحسد عليه، ليس من جانب إنساني فحسب، ولكنه يدخل في نطاق أنشطة أو مهام قليلة في هذه الحياة، تولِّد لدى الإنسان شعوراً هائلاً بالسعادة.

مثل من يتصدق على معوز أو معسر، فتتهلل أساريره، ويدعو له، أو الفنان الذي تألق على خشبة المسرح، فتضج له القاعة بالتصفيق الحار، استحساناً لأدائه. وكذلك الحال مع الرسامين الماهرين، والعدائين، ولاعبي الكرة، والاستعراضيين وغيرهم.

هذه الأنشطة وما شابهها الكثير، تبين لنا لاحقاً أنها تولد شعوراً كبيراً بالسعادة الغامرة. فعندما عكف عالم النفس الأمريكي ميهالي كسيسنتميهالي، على دراسة إجابات نحو ألف شخص، وظهر بعد ذلك تماماً ما حدث للجراح السعودي الماهر د. الربيعة، في لحظة خروجه من عملية جراحية حرجة.

فهناك خمسة أسباب تجعل لحظة السعادة تتدفق، شريطة أن ينغمس الفرد في عمل «محدد»، من «اختياره»، ويكون عملاً يتطلب «تحدياً»، يراه البعض كبيراً، ولكنه بالنسبة إليه سهل المنال، شريطة أن يكون العمل عموماً «واضح الهدف»، ويحقق صدى، أو بالأحرى «ردود فعل فورية». والمفارقة أن الأعمال التي نجيدها، قد يراها البعض في غاية الصعوبة، لكن الخبرة المتراكمة التي يفتقدها الآخرون، ولّدت لديهم شعور الإعجاب بصنيعنا، تماماً كما جرى للجراح المذكور.

وهذا الكشف العلمي الذي يعكس واقع الحال، يشير إلى أن السعادة ليست مرتبطة بانتظار مهرج أو مشهد كوميدي يدخل على قلوبنا السعادة. فالإنسان حينما يغذي يومه بأنشطة معينة، يختارها، وتعد وسطاً بين الصعوبة والسهولة، وتحقق ردود أفعال فورية، فهذا مما يسعد المرء في يومه.

وإذا كان المشروع كبيراً، يمكن تجزئته إلى أهداف صغيرة، تنطبق عليها الشروط الخمسة. والأهم أن يشعر بما أسماه الباحث لحظة تدفق مشاعر السعادة في نفسه flow، عندما ينغمس في عمل يمتاز بتحديات معقولة، يولد لديه شعوراً بالمقدرة على تحقيقه بنجاح.

فالبعض يؤثر الانكباب طوال الأسبوع على أعمال تتطلب تحديات ومجهودات جمة، وينسى أن يُطَعّم يومه بأنشطة معقولة التحديات، حتى إذا ما أنجزها، دبت مشاعر الراحة في نفسه.

وقد أبدع الكاتب ديفيد ألن في كتابه «كيف تنجز جميع المهام» Getting Things Done، حيث تخصص في تناول حلول نسيها كثير من المنظرين في الإدارة، الذين يركزون على «الهدف»، وينسون كيفية التعامل مع «المهام» اليومية tasks، فكل هدف هو في الواقع مجموعة من المهام، توصل المرء إلى مبتغاه.

ويتضح مما سبق، أن السعادة ليست مرتبطة بالهروب من العمل، بل بحسن اختيار ما نعمله، وتنويعه، حتى يصبح يومنا أكثر متعة وشعوراً بالإنجاز والتقدم. ولذا، قال الفيلسوف أرسطو قولته الشهيرة «السعادة في العمل»، وربما كان يقصد تلك الأعمال التي نحبها وتولد لدينا لحظات تدفق السعادة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات