هزيمة إيران في العراق

أكبر ضربة تلقاها النظام الإيراني منذ ثورته في فبراير 1979، هي الثورة ضده في العراق ولبنان هذه الأيام.

قبل أيام فوجئنا بمواطنين عراقيين يقومون بركل صور رموز إيرانية. وقبل أيام قليلة، قام شباب عراقيون غاضبون بمسح اسم الخميني من على الشارع الذي يؤدي إلى مطار النجف، وكتبوا مكانه «باسم الشعب، شارع شهداء ثورة تشرين»، وفي مدن أخرى هتفوا قائلين: «هذا وعد. هذا وعد. إيران ما تبقى بعد».

النجف هي المكان الأكثر رمزية للطائفة الشيعية، وإليها يتوافدون لزيارة الأضرحة والمقامات الشيعية، وحينما يتم استباحة اسماء رموز إيرانية، فهو تطور خطير، لم تكن تتخيله الحكومة الإيرانية في أسوأ كوابيسها.

العراق كان حاجز صد كبير ضد أطماع الهيمنة الإيرانية على المنطقة، سواء كانت شاهنشاهية، أو قومية طائفية. إيران تريد السيطرة على المنطقة، وحاربت العراق في حرب الثماني سنوات «1980 - 1988».

ولولا الخطأ الكارثي لصدام حسين بغزو الكويت في 1990، لربما تغير شكل المنطقة.

الغزو الأمريكي الهمجي للعراق في 2003، قدم هذا البلد العربي الكبير هدية على طبق من ذهب لإيران، وحينما حلت الجيش العراقي، فإنها وضعت البذرة الأساسية لكل منظمات التطرف والإرهاب بالمنطقة.

إيران استثمرت في العراق جيداً، وصارت هي اللاعب الأساسي هناك. غالبية الأحزاب والقوى السياسية العراقية، إما أقاموا فيها في عهد صدام، أو متعاطفون معها، أو مجبرون على هذا التعاطف. إيران هي من يقرر شكل الحياة في العراق. هي من تعطي الضوء الأخضر لتشكيل الحكومة وتعيين المسؤولين أو إقالتهم.

أخطر ما فعلته إيران في العراق، أنها دعمت إنشاء ما يسمي بـ «الحشد الشعبي»، الذي صار دولة داخل الدولة العراقية. وفي مرات كثيرة، فوجئنا بقيادات داخل هذا الحشد، تجاهر علناً بأنها ستحارب، إلى جانب إيران، بل وقام هذا الحشد بمواجهة شعبه العراقي، لأنه قرر الثورة على الفساد وعلى إيران.

الشعب العراقي الذي تظاهر أساساً ضد الفقر وانعدام الخدمات وفساد الطبقة السياسية، اكتشف أن من يدعم هذا النظام هو إيران، وبالتالي، كان طبيعياً أن يرفع الشعارات المعارضة لإيران، بل ويتجه إلى المنشآت والمؤسسات والقنصليات الإيرانية في العراق لمهاجمتها.

في بداية الاحتجاجات، قالت إيران إنها أعمال شغب، وعندما تأكدت أنها معارضة شعبية واسعة، دعت الحكومة العراقية إلى الإصلاح، وتلبية بعض مطالب المحتجين.

لكن حينما تأكدت أنها هي المقصودة بالاحتجاجات، عادت لتقول إنها أعمال شغب، وموجهة من الخارج، خصوصاً أمريكا. أما المعضلة الكبرى التي هزت إيران، فهي أن الغالبية العظمى من المحتجين من المواطنين الشيعة، ويتظاهرون في مدن تكاد تكون شيعية خالصة، خصوصاً في محافظات الجنوب، مثل الديوانية والناصرية وميسان وذي قار والكوت، وفي الأحياء الشيعية بالعاصمة، مثل مدينة الصدر.

الاعتقاد أو الوهم الإيراني أن الشيعة العراقيين بمثابة «شيك علي بياض»، تتعامل به إيران في كل الأحوال والأوقات، وأنها أممت هذا البلد العربي الكبير، ثم استيقظت طهران على كابوس كبير، أن هذا الوهم تبدد، ويكاد يتلاشى.

واكتشفت أن المواطنين العراقيين، سواء كانوا سنة أو شيعة، عرباً أو كُرداً، يبحثون عن حياة حرة كريمة، هم لا يعادون الشعب الإيراني، لكنهم اكتشفوا أن نظام طهران هو الداعم الأكبر للطبقة السياسية، التي حولت حياتهم إلى جحيم، وبالتالي، قرروا توجيه جزء من غضبهم إلى هذا الداعم الأكبر للفاسدين.

ما حدث لإيران في العراق، هزيمة استراتيجية كبيرة، ونأمل أن يكون ما حدث، هو جرس تنبيه للحكومة الإيرانية، لكي تغير سياستها، وتبدأ في التعامل مع العرب باعتبارهم جيرانها، وأن تتوقف عن سياسة الهيمنة واستغلال الورقة الشيعية، وأن تدرك أنها وإن كانت ماهرة في بناء النفوذ، فإنها فاشلة في إدارته!!، لكن السؤال الأخير هو، هل ما حدث يعني خروج إيران من العراق اليوم أو غداً؟!

الإجابة هي لا، وأغلب الظن، أنها ستقاتل حتى النفس الأخير، كي تستمر في العراق بنفس الطريقة القديمة، إلا إذا حدثت معجزة، وتمكن المواطنون الإيرانيون أنفسهم من تغيير مجمل سياسات الهيمنة الإيرانية بالخارج، خصوصاً أن أحد الشعارات التي يرددها المتظاهرون الإيرانيون هذه الأيام، احتجاجاً على زيادة أسعار الوقود، تقول: «توقفوا عن إهدار أموالنا في لبنان وغزة».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات