هل فشلت العقوبات الأمريكية ضد إيران ؟!

ثمة رأي يتداوله بعض الكتاب في الغرب وفي عالمنا العربي مفاده أن سياسة الحد الأقصى من الضغوط على إيران التي اتبعتها إدارة ترامب قد فشلت في تحقيق هدفها وأنها أدت إلى نتائج عكسية تمثلت في تصعيد السلوك الإيراني المثير للتوتر في المنطقة، والذي وصل إلى حد تهديد حرية الملاحة في الخليج العربي، واستهداف المنشآت والناقلات النفطية في المنطقة، بالتوازي مع تقليص إيران المتوالي لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي، والعودة إلى تخصيب اليورانيوم.

ورغم منطقية هذه القرائن، فإن هناك مؤشرات أخرى تشير إلى أن سياسة العقوبات القصوى التي تراهن عليها إدارة الرئيس ترامب في إخضاع النظام الإيراني وإجباره على القبول بالتفاوض من جديد تحقق مفعولها، والشاهد هو مؤشرات الاقتصاد الإيراني المتداعي، والتي كادت تدفع إيران إلى التفاوض لولا عاملين مهمين، الأول هو هيمنة الحرس الثوري على القرار الإيراني.

إذ لا ينبغي أن نتجاهل أن الرئيس روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف كانا يتجهان بقوة إلى قبول التفاوض مع الولايات المتحدة، حيث كانت الوساطة الفرنسية على وشك النجاح بل تم التوصل إلى صيغة لتعويض إيران عن خسائرها النفطية، لولا تدخل خامنئي في الساعات الأخيرة ليحسم الموقف لصالح رفض التفاوض.

والثاني، طبيعة النظام الإيراني ذاته، الذي بات يميل إلى مزاج انتحاري بسبب الحصار الأمريكي، الذي وضع النظام بين خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع للشروط والاملاءات الأمريكية بما يعنيه ذلك من تآكل مصداقية النظام في عيون أتباعه ووكلائه والمتعاطفين معه داخلياً وإقليمياً، أو مواصلة التشبث بوهم قيادة تيار المقاومة، وهو البديل الذي يفضله النظام حتى الآن، لأسباب عدة منها أن تأثير العقوبات يطال بالأساس الشعب الإيراني وليس قادة النظام.

علاوة على مواصلة تنفيذ المشروع التوسعي الطائفي الإيراني، وإيجاد ذريعة لإحكام القبضة الحديدية على السلطة وبناء حالة التفاف شعبي مصطنعة لمواجهة «الاستهداف الأمريكي»، ولاسيما في ظل قلق النظام من انتقال «عدوى» الغضب الشعبي العراقي واللبناني إلى المدن الإيرانية، فضلاً عن رهان النظام الإيراني على عامل الوقت حيث يدرك أن الرئيس ترامب بات يواجه إشكاليات داخلية ويقترب من عام الانتخابات الرئاسية بما يحول دون قيامه بالرد على أي استفزاز عسكري إيراني.

الخلاصة أننا يجب أن نفرق بين متغيرين هما تأثير العقوبات من ناحية وقدرة هذه العقوبات على تغيير سلوك النظام الإيراني من ناحية ثانية. والعقبة الحقيقة التي تواجه تحقيق أهداف العقوبات تكمن في أولوية الأيديولوجيا الطائفية على ما عداها من حسابات استراتيجية يفترض أن يكون لها التأثير الأهم في سلوكيات النظام الإيراني.

وبالتالي لا يمكن القول بأن سياسة الضغوط الأمريكية على إيران لم تحقق شيئاً، أو القطع بفشلها؛ ومن ينظر بموضوعية إلى النفوذ الإقليمي لإيران اليوم، سيلاحظ بوضوح كيف أنه تراجع بصورة كبيرة عما كان عليه قبل سياسة العقوبات الأمريكية.

ففي اليمن نجح التحالف العربي لدعم الشرعية في تحجيم قدرات الميليشيات الحوثية بصورة كبيرة، وفي لبنان والعراق، خرجت احتجاجات شعبية واسعة منددة بالاستغلال الإيراني لموارد البلدين وفرض الوصاية على مقدراتهما عبر وكلاء منتفعين، ولاتزال هذه الاحتجاجات الشعبية متواصلة مستهدفة النفوذ الإيراني في الأساس، وخاصة في العراق.

وحتى بافتراض أن سياسة الضغط الأمريكية على إيران لم تحقق الأهداف المبتغاة منها، فإن هذا لا يعني أن السلوك الإيراني قبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي كان أفضل حالاً، فالاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015 لم يضع حلولاً جذرية لمخاوف امتلاك النظام الإيراني لقدرات عسكرية نووية، ولاسيما بعد انتهاء فترة التقييد التي يضعها الاتفاق.

كما أن هذا الاتفاق لم يعالج الكثير من القضايا الأخرى المثيرة لعدم الاستقرار في المنطقة، مثل برامج الصواريخ الإيرانية والتدخلات الإيرانية السلبية في شؤون دول المنطقة العربية، والدعم الإيراني للإرهاب.

في المقابل وفرت الأموال التي تم الإفراج عنها ومنحها للنظام الإيراني نظير هذا الاتفاق رافداً مالياً مهماً ساعد النظام على التوسع في سياساته المثيرة للتوتر.

وإذا افترضنا أن سياسة العقوبات الأمريكية فاشلة، فما هو البديل لإجبار إيران على التصرف كدولة طبيعية في محيطها الخليجي والعالمي، والتوقف عن سياساتها التدخلية ودعمها للجماعات المتطرفة والطائفية؟ هل يتعاون المجتمع الدولي مع إيران ويغض الطرف عن سياساتها العدائية، أم أن هناك حاجة للبحث عن استراتيجية جديدة تجبر طهران على تغيير سلوكها وسياساتها، وتجعلها تركز فقط في كيفية تحقيق رغبات شعبها في التنمية والتقدم والرخاء بعد نحو أربعين عاماً من العقوبات التي أنهكته. ويبقى التساؤل عن ماهية هذه الاستراتيجية وكيفية تحقيقها هو الأهم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات