مأزق إيران

الحراك العراقي ضد النفوذ الإيراني فاجأ الكثيرين، بل يكاد البعض من الناس لا يزال غير مصدق لما يحدث ضد إيران، على الأقل من شيعة العراق ومن منطقة «الصدر» وكربلاء، حيث معقل النفوذ الإيراني، ليس فقط لأن العراق تحول خلال فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين إلى ما يشبه امتداداً جغرافياً للدولة الإيرانية، وبالتالي فإن مجرد الحديث عن التخلي عنه هو إعلان نهاية النظام الإيراني، وليس أيضاً لأن ملالي إيران تحدثوا خلال فترة زمنية معينة بأن العراق أصبح عاصمة «الدولة الفارسية» وأنهم مطمئنون لوضعهم فيها.

ولكن، لأن تحركات المسؤولين الإيرانيين في العراق وتنقلاتهم فيه، والسيطرة على القرار السياسي أوضح أن مسألة التواجد الإيراني أكبر من مجرد نفوذ سياسي، خاصة بعد أن رأينا أن إدارة دولة العراق يتم عبر أتباع إيران السياسيين، حتى شعرنا نحن العرب بأننا فقدنا العراق وينبغي علينا نسيانه، إلى الأبد.

وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة في وصف قلقنا على العراق، حائط الصد الأول للعرب في مواجهة الطموحات الإيرانية، فيكفي أننا كنا أحيانا نجده يقف ضد المواقف السياسية العربية أثناء انعقاد اجتماعات الجامعة العربية والدولية.

وهذا دليل كاف لتفسير سيطرة القرار السيادي وتوضيح تغول إيران في هذا الجزء المهم من الدولة العربية بل إن الأمر وصل بالإيرانيين لأن يهددوا بنقل معركتهم مع الولايات المتحدة إلى العراق وكأنها الحديقة الخلفية لهم، كما أن الاقتصاد العراقي كان يمثل مستودعاً للصادرات الإيرانية.

هذا الأمر أعطانا انطباعاً أن التخلص من هذه السيطرة يحتاج إلى إسقاط النظام الإيراني بالكامل وليس تغيير سلوكه فقط كما هو الهدف الأساسي للعقوبات الدولية، بل، وللأسف، بدأ العرب يكيفون أنفسهم أو على الأقل يقنعون بعضهم على تقبل المواقف العراقية انطلاقاً من الوضع السياسي الذي هم فيه، كنوع من الشفقة عليهم!.

إن الحراك العراقي الذي بدأ بمطالب إصلاحية داخلية بسبب انتشار الفساد السياسي والمالي، تحول في لحظة معينة إلى موجة طرد لكل ما يمثل النظام الإيراني سواء كانوا قادة سياسيين أو دينيين عراقيين ومعهم أيضاً قادة الحرس الثوري وعلى رأسهم، هادي العامري «صنيعة إيران»، وشاهدنا لأول مرة حرق صور لكل الرموز الدينية والسياسية العراقية والإيرانية بل إن نتيجة مباراة كرة القدم الأخيرة والتي فاز فيها المنتخب العراقي بهدفين مقابل واحد لإيران جاءت بمثابة (استطلاع رأي) لمكانة إيران لدى عموم الشعب العراقي بكل طوائفه.

ملخص تلك المكانة: أن التعامل مع العراق حكومة وشعباً ينبغي أن يتناسب وتاريخها السياسي والعروبي الكاره للغطرسة الإيرانية والذي يدركه نظام الملالي جيداً منذ وصولهم للسلطة، حيث أعطى الشعب انطباعاً كاملاً عن غضبه من أسلوب إيران في التعامل معهم.

الشيء الذي لم يدركه الإيرانيون في بداية الحراك، أن تتطور الاحتجاجات وترتفع وتيرتها إلى درجة أن يصيبهم القلق والخوف ليس في فقدان نفوذهم في العراق حتى من خلال أتباعهم ولكن «القلق الأعظم» أن تنتقل عدوى الاحتجاجات إلى الداخل الإيراني وقد حدثت فعلاً وقد بدأت بزيادة أسعار الوقود ولكن تطوراتها لن تقف عنده، وهي هذه المرة تختلف من حيث تأثيرها بسبب العقوبات الدولية التي جاءت نتيجة لمغامرات هذا النظام السياسية في المنطقة والعالم.

كما أنها تختلف أيضاً من حيث الجرأة التي شاهدها الشعب الإيراني على المراجع الدينية في العراق بما فيهم المرشد الأعلى في طهران نفسه، وبالتالي فإن «الهيبة» السياسية والدينية بدأت تتآكل إن لم تكن قد تآكلت أصلاً، وبالتالي فإن محاولات ممثلي إيران في العراق في السيطرة على الوضع بالتنازلات ربما جاءت متأخرة.

لم يعد تدخل سياسيي العراق من أجل تقديم تنازلات للمطالب الشعبية بإيعاز إيراني من أجل تجنب انتقال عدوى التظاهرات إلى الداخل الإيراني كافياً، هكذا تبدو المؤشرات على أرض الواقع، لأن الرسالة الأهم التي يوجهها الشعب العراقي بكل طوائفه السياسية هو: أن يتم التعامل مع بلادهم وفق مبدأ التكافؤ واحترام الجوار السياسي وعدم التدخل في شؤونه الداخلية لبلادهم وأن مسألة التشبث الإيراني بالعراق، بدأت تسجل بداية النهاية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات