حلف الناتو و«الموت الإكلينيكي»

«الأوربيون مثل النعامة لا يريدون لعالمهم الجميل أن يتلاشى»، بهذه التغريدة على تويتر لخّص جيرار أرو، السفير الفرنسي الأسبق لدى واشنطن، مشكلة حلف الناتو، فرغم الواقع المتردي الذي عليه الحلف منذ سنوات جورج بوش الابن وباراك أوباما، وكشفته الخلافات الحالية بين الحلف والرئيس دونالد ترامب حول نسب الإنفاق العسكري، إلا أن هناك في أوروبا مَن لا يريد أن يصدق التقارير التي تتفق على تفوق روسيا على قوات الحلف على الأقل في شرق أوروبا، فهل مات حلف الناتو «إكلينيكياً» كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أم أنه «رأي قاسٍ»، كما علقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل؟ وإلى أي مدى يستطيع الأوربيون بناء «جيش أوروبي موحد»؟

ليس ماكرون وحده

قبل صدمة ماكرون التي وصف حلف الناتو بأنه «مات إكلينيكياً» قال ترامب إن الحلف «عفى عليه الزمن»، كما أن شهادات القادة الميدانيين الأمريكيين أمام لجان القوات المسلحة والمخابرات الأمريكية دائماً ما أشارت إلى تفوق روسيا بل وقدرتها على اجتياح الدول الصغيرة في شرق أوروبا مثل بولندا ودول بحر البلطيق الثلاث في ثلاثة أيام، وربما الأكثر إزعاجاً هو حديث بعض القادة الأمريكيين أن تفوق روسيا ليس فقط في مجال الأسلحة النووية بل في الأسلحة التقليدية والتدريبات التي أغفلها حلف الناتو لسنوات طويلة واستيقظ عندما سيطرت روسيا على شبه جزيرة القرم 2014.

ربما أكثر المتضررين من الشعبوية التي تجتاح العالم هو حلف الناتو، وذلك عبر مسارين: الأول هو وصول الرئيس ترامب للحكم، وهو الذي يرفض إنفاق أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لحلف الناتو، ويطالب دول الحلف بالوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسها في 2018 بإنفاق 2% من ميزانياتها على الدفاع قبل 2024، وهو الأمر الذي من شأنه أن يوفر لواشنطن 119 مليار دولار، بالإضافة إلى 151 ملياراً عجزاً في الميزان التجاري بين دول الحلف والولايات المتحدة يأمل الرئيس ترامب بأن يقلصها قبل نهاية 2020. ويتحجج ترامب بأن بلادة تنفق 3.6% من ميزانيتها، بينما ما زالت دول غنية في الحلف مثل ألمانيا تنفق 1.4% فقط.

المسار الثاني لتأثير الشعبوية هو عدم حماسة الأحزاب الشعبوية الأوروبية لفكرة العداء الدائم مع روسيا، فالأحزاب الشعبوية التي لا ترى في روسيا «العدو التقليدي» الذي كان وقت «حلف وارسو» والحرب الباردة، وزعماء مثل مارين لوبان وماثيو سالفيني يعتبرون التعاون مع موسكو أفضل من مجابهتها، كما أن خط الغاز الروسي «نورد ستريم 2» ينظر له الأمريكيون على أنه ضد حلف الناتو، فخط الغاز يوفر لروسيا مليارات الدولارات، ويتساءل الرئيس ترامب هل الأوروبيون يريدون مواجهة روسيا أم دعمها عن طريق خطوط الغاز ؟

الجيش الأوروبي الموحد

ربما يسعى الرئيس ماكرون لإحياء فكرة الجيش الأوروبي الموحد من خلال الحديث عن «الموت الإكلينيكي» لحلف الناتو، لكن حتى الآن لا تتوفر الإرادة السياسية لباقي دول الحلف في الابتعاد عن واشنطن، خاصة دول شرق أوروبا مثل: بولندا ورومانيا والمجر وسلوفاكيا ودول بحر البلطيق، فهذه الدول تعزز من تعاونها مع الولايات المتحدة خوفاً من روسيا، ولا يمكن لهذه الدول أن تثق بالدول الأوروبية الأخرى لحمايتها، ناهيك عن قضية التمويل، فلو كانت الدول الأوروبية عازمة على مزيد من الإنفاق العسكري كان الأفضل لها أن تظل تحت المظلة الأمريكية وحلف الناتو، وأن تقوية الحلف الذي دافع عن أوروبا بنجاح وأسقط الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو أفضل بكثير من الدخول في كيان ليس عليه اتفاق حتى الآن.

قد يكون التقييم الفرنسي صادماً، لكن عدم منع تركيا من غزو شمال شرق سوريا، وسحب الرئيس ترامب قواته التي كانت قريبة من القوات الفرنسية شرق الفرات دون التنسيق مع فرنسا، يدفع بالجميع للبحث عن آليات لتعظيم وتقوية الحلف الذي ولد منذ 70 عاماً.

النموذجان الكوري والياباني

تفعيل الدور العسكري لحلف الناتو أمام التحديات الجديدة ليس مستحيلاً، فدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية استطاعت أن تصل لصفقة مع الرئيس ترامب حول بقاء 46 ألف جندي في اليابان، و28.500 جندي في كوريا الشمالية، وقدرة أوروبا على تحقيق ذلك لا تقل عن قدرة سيول وطوكيو، فإرسال مزيد من القوات، وتفعيل البرامج التدريبية ونشر بنية تحتية عسكرية على غرار ما حدث في بولندا ورومانيا يمكن أن يعيد الحلف للطريق الصحيح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات