إيران وحلم الهيمنة المستحيل

انتفاضة العراق والوضع المتفجر الذي أصبح فيه وتفاصيل المطالب التي يطرحها المنتفضون في ساحاته تحت العنوان الكبير «نريد وطناً»، والتي تتعارض وبشدة مع أجندة الأحزاب السياسية التي تتسيد مشهده السياسي منذ ست عشرة سنة.

هذه الانتفاضة قدر ما تشغل وتقلق أوساطاً واسعة في العراق وفي عموم المنطقة حاضراً، ستشغلها تداعياتها السياسية بشكل أكبر كثيراً في القادم من الأيام، فالهزات الفائقة القوة التي أحدثتها الانتفاضة ستكون ارتداداتها عظيمة التأثير ليس على العراق وحده.

لا نكشف سراً بالقول إن إيران لا تحمل رسائل ودية لدول المنطقة، وهي في سياق ذلك استلمت العديد من الرسائل التحذيرية منذ مدة ليست قصيرة دون أن تعيرها كبير اهتمام، متجاهلة كرامة وكبرياء شعوب المنطقة. رسائل مفادها أن هذه الشعوب لا يكتسب ودها ولا صداقتها عبر التسلط والهيمنة على مقدراتها وتسخير شعوبها وتوظيف ثرواتها.

استراتيجية إيران للهيمنة على المنطقة جاءت في مسارين منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة الخمينية عام 1979، المسار الأول مذهبي متسق مع السردية الموروثة عن اضطهاد ومظلومية الطائفة الشيعية وادعاء طهران بأنها الممثل لها وتشريع ذلك في دستورها.

والمسار الثاني عبر مداعبة أوصال القضية الفلسطينية واستخدامها وليس خدمتها في مزايدات على أبناء القضية نفسها، استهدفت النيل من منظمة التحرير الفلسطينية، ودعم لمنظمة حماس في تعميق للشرخ في البنية الفلسطينية. النعومة التي بدأت بها طهران ملامسة المسارين لم تدم طويلاً، فالرسائل لا تأتي فرادى، إذ لم يكن هناك مفر من انتقال ممارسات حكام طهران السمجة إلى مقارباتها الناعمة.

الحراكان الجباران اللذان عصفا بالعاصمتين بغداد وبيروت وبالمدن الأخرى في البلدين منذ الأول من أكتوبر الفائت لم تتوقف تأثيراتهما عندهما بل عصفا بمجمل الوضع في منطقة الشرق الأوسط، فاتحة أبواب التكهنات على أقصى سعاتها حول مستقبل ومآلات هذه الحراكات، وما يمكن أن يتمخض عنهما من تأثيرات مهمة على مجمل التوازنات القلقة في المنطقة وحول مستقبل بعض أنظمتها.

أكتوبر 2019 نقطة تحول زمني لا يمكن أن يغفل تأريخ المنطقة تسجيلها، العراقيون يقولون إن بلادهم لن تعود إلى ما قبل الأول منه بعد سقوط أكثر من ثلاثمائة قتيل وأكثر من خمسة عشر ألف مصاب، واللبنانيون يقولون إن لبنان لن يعود إلى ما مكان عليه الوضع قبل السابع عشر منه، بعد أن اشتعلت مدنه غضباً منذ ذلك الحين.

ونحن نقول إن كلاهما على حق ونضيف إلى ذلك بأن الوضع في إيران نفسها قد لا يعود إلى ما كان عليه. الشعبان العراقي واللبناني رسما بعمق غائر ملامح سياسية جديدة بدأت تطل وقد تطال في تأثيراتها أوضاع دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط.

الدوائر الغربية المتابعة لمسلسل الأحداث في المنطقة لا تستبعد انتقال حراك الرفض والتمرد الذي نشهده في العراق وفي لبنان إلى شوارع العاصمة الإيرانية وساحاتها وإلى بقية مدنها لتشابه الظروف، فقر وحرمان وتردٍ خطير في مستوى الحياة واشتراك المسبب، وهي إن حدثت ستكون تداعياتها أشد وأقسى مما هي الحال في العراق على قسوة ما تعرض له الجمهور الثائر.

فقد سبق أن شهدت المدن الإيرانية في مناسبات عدة حراكاً مشابهاً تعرض للقمع الشديد، خاصة فيما يعرف بالثورة الخضراء عام 2009، ولا تزال الأجواء في مدنها حاضنة لجذوات انفجارات أكبر من تلك التي حدثت حتى الآن.

العراق ولبنان غارقان في الفساد على أعلى المستويات في الدولة، فقد تجاوزت ديون العراق 130 مليار دولار وتجاوزت الديون اللبنانية المائة مليار دولار، والأحزاب الصديقة أو الحليفة لإيران هي في سدة الحكم أو في موقع صناعة القرار في البلدين، فهل ذلك محض مصادفة أم ماذا؟ تعمد مراكز البحوث والدراسات لجس نبض الرأي العام حول قضية ما إلى تنظيم استبيانات تصمم لذلك.

ولعلنا نشهد أفضلها وأكثرها صدقاً في ساحات وشوارع المدن العراقية واللبنانية حول مدى تقبل الحضور الإيراني أفراداً أو سياسات في واقع حياة البلدين، فحجم «الرفض» ولا نريد قول «الكراهية» فاق ما هو متوقع، خاصة في المدن والأوساط التي تدعي طهران مسؤوليتها عن حمل قضيتها وعن حمايتها وهي الجنوب اللبناني ومدن وسط وجنوب العراق.

فهل تقتنع طهران بأن لا مستقبل لمشاريعها التوسعية في المنطقة، وليس هناك من طريق سالك لها نحو البحر الأبيض المتوسط؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات