«ملتقى أبوظبي».. ومحاولة فهم العالم

غريبة فعلاً، أن تتملك الحيرة أغلب المحللين السياسيين والمفكرين في العالم وينتابهم حالة من الذهول حول مبررات مسألة التراجع للقوى الدولية في إعادة ترتيب النظام الدولي منذ سقوط الاتحاد السوفييتي قبل ثلاثين عاماً ودون أن يعرف المجتمع الدولي مرحلة استقرار أو حتى ثبات رغم بروز قوى كان يعتقد البعض أنها يمكن أن تساهم في خلق توازن في السياسة الدولية أو التقليل من حالات القلق والخوف التي تنتاب العالم مثل: الصين وروسيا.

خرجت بهذه الخلاصة من المناقشات التي طرحت في «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي نظمه مركز الإمارات للسياسات، بداية هذا الأسبوع، والتي خصصت جلساتها على مدى يومين مناقشة القدرات والقوة العسكرية والاقتصادية والسياسية في العالم وفي المنطقة، فالفعالية حفلت بالكثير من النقاشات والأفكار من الباحثين الغربيين والتي في المقابل تسببت في طرح تساؤلات من مفكري منطقة الشرق الأوسط في محاولة منهم للحصول على إجابات وفهم حول ما يفكر فيه الغرب، الذين هم يعتبرون صناع القرار في العالم، في مستقبل المنطقة وتأثيرات مراجعاتها السياسية على الاستقرار العالمي خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر القوى النافذة في العالم منذ انهيار جدار برلين.

لم تخل المناقشات من اتهامات حول المتسبب لحالة الفوضى المنتشرة في المنطقة باعتبارها «قلب العالم»، ففي الوقت الذي رأى فيه بعض الباحثين أن غياب نظام إقليمي عربي يوازن التنافس الإقليمي خاصة من تركيا وإيران ويحدد اتجاه الدول العربية في القضايا الرئيسية لها هو المتسبب في ذلك، فإنه في الجهة المقابلة فإن الرأي العربي والخليجي، وأنا أميل إليه، يعتقد أن سياسات الإدارة الأمريكية التي تعتبر الحليف الاستراتيجي لها هي من يقف وراءها لاسيما وأن هناك مواقف كانت ملفتة من واقع نظرية «الفوضى الخلاقة» التي طرحت أيام إدارة الرئيس بوش الابن واستمرت مع إدارة الرئيس أوباما من خلال دعم من كان يقف وراء ما كان يعرف بـ«الربيع العربي» من الإخوان المسلمين الذين يطرحون فكرة تتجاوز الدولة الوطنية وكأنهم يساندون أوهام الرئيس التركي أردوغان في إقامة خلافته الإسلامية حتى انفرط عقد بعض الدول مثل: ليبيا واليمن وكانت تهدد دول أخرى في الإقليم لولا حالة الصمود العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات.

هناك حالة من الانفلات السياسي في العالم سببه غياب الدولة القائد بسبب التركيز على نظرية أمريكا أولاً والتي تعني في الحقيقة التراجع عن ممارسة مسؤوليتها الدولية، كما أن هناك إخفاقاً أوروبياً في تكوين نظام إقليمي بمواصفات دولية يستطيع أن يمثل «رمانة ميزان» لضمور الدور الأمريكي، أضف إلى ذلك حالة التشكك الدولي وغيرها من إمكانية سد روسيا أو حتى الصين للفراغ السياسي والعسكري الذي تركته الولايات المتحدة، هذه الحالة كان المنتظر أن تجيب عليها التحليلات الغربية ولكن يبدو أن هم أيضاً لا يملكون الإجابة الصريحة.

حالة «السيولة السياسية» للنظام الدولي أنتجت الكثير من التحديات التي أدت إلى أزمات، بعضها اتسمت بالتعقيد وما زال العالم يدفع ثمنها، فغير انتشار حالات الإرهاب في العالم سوءاً من قبل تنظيمات إرهابية مثل: القاعدة وداعش أو حالات فردية كانت مثل «فيروسات إرهابية» تنتشر في دول العالم ممثلة في «الذئاب المنفردة».

كما أن حالة التغلغل التركي والإيراني في دول المنطقة دون أي اعتبار للدول الكبرى أو الجوار الجغرافي هي كلها دلائل كافية لأن تتحرك بيوت الخبرة ومراكز دعم القرار مثل: مركز الإمارات للسياسات في محاولة لفهم هذه الحالة لأن استمرارها تعني إرباك المجتمع الدولي بما فيه دول المنطقة وتشتيت خططه في مواجهة التحديات التقليدية مثل الفقر والأمية والأمراض.

ومع أني-غالباً- لست ممن يلقون باللوم على السياسة الأمريكية فيما يحدث في المنطقة والعالم من منطلق أن العلاقات بين الدول أساسها المصلحة، ومع أني على قناعة كاملة بأن كل دولة أو كل مجموعة دول (حلفاء أو نظام إقليمي) مسؤولة عن حماية نفسها، إلا أنه ينبغي أن نتصارح بأن طبيعة التحديات التي يواجهها العالم تمس الجميع بغض النظر عن حجم وإمكانيات الدولة وبالتالي فإننا بقدر حاجتنا للدول الكبرى في استقرار المنطقة فهي أيضاً تحتاج إلى مواقف العرب.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات