إشكالية الخريف العربي

الشتاء والربيع والصيف والخريف هي محض فصول تتراوح فيها درجات الحرارة صعوداً وهبوطاً بين الصقيع والاختناق أو الاحتباس الحراري؛ وتتنوع فيها النباتات والثمار.

الربيع وحده ظفر بصفات ناعمة، حيث النسائم والورود، وتفتح الأزهار، وتعود فيها أوراق الأشجار إلى اخضرارها؛ ورغم ذلك فقد كان هو من فاز باعتباره دلالة على مستقبل زاهر عندما جرى إطلاقه على مستقبل العرب.

أُطلق على الأحداث التي جرت في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن في مطلع العقد الراهن على أنها «الربيع العربي» حتى ولو أنها جرت في معظمها في فصل الشتاء؛ ولا لاحظ أحد أن العرب لا يعرفون الكثير من الربيع، فربيعهم هو «الخماسين» وثورة الرمال الساخنة.

مضى عقد وباتت المنطقة العربية شاهدة على أربع «ثورات» إضافية في السودان والجزائر والعراق ولبنان؛ وبينما شغلتنا الأولى بأحداثها في النصف الأول من العام فإن النصف الثاني شغلنا بالانتقال من الثورة إلى الدولة؛ أما الثانية فإنها جرت بالتوازي مع الأولى ولكنها ظلت معلقة ما بين ما تريده الدولة من تطبيق لدساتيرها، ورغبة الجماهير المتظاهرة للبدء من أول سطر دستور جديد؛ الثالثة والرابعة كان الخريف موعدهما، وجريا في الظروف الفريدة لما كان حربا على دولة "الخلافة الإسلامية" المزعومة، وأنواع من الحرب الأهلية تداخلت فيها شيعاً وجماعات.

السودان حتى الآن كانت الأكثر نجاحاً، فكانت الحركة الجماهيرية من أجل "إسقاط النظام"، فسقط عمر البشير ومعه حكم جماعة الإخوان المسلمين، وراحت آلة المحاكمات تجري في طريقها، ولكن القوات المسلحة صمدت لأمن البلاد، ولكن "الثوار" على الجانب الآخر كانت لديهم آلية قيادية هي حركة الحرية والتغيير المكونة من تجمع للنقابات المهنية؛ وكانت النتيجة المفاوضات على مرحلة انتقالية لثلاث سنوات، وتشكيل حكومة، والتوصل إلى السلام مع المناطق المتحاربة مع العاصمة من أجل صلح بين "الهامش" و"المركز". الجزائر ظلت على حالها؛ تخرج الجماهير في عطلة نهاية الأسبوع هادرة وهاتفة، ويسير الحكم الذي تخلص من الرئيس بوتفليقة ورفاقه الأقربون في مسيرته لتطبيق الدستور.

ما ظل ملتهباً منذ بداية الخريف وحتى ظهور طلائع الشتاء كان في العراق ولبنان، وكلاهما مأزوم اقتصادياً كما لم تكن هناك أزمة في التاريخ رغم البترول الكثير في الأولى؛ ورغم البنوك والسياحة والمستوى الاقتصادي المرتفع في الثانية.

وإذا كان الحل قد تم في السودان بالحوار، وظل العنف بعيداً حتى الآن في الجزائر ربما لتوازن القوى، فإن الحالة في العراق أسفرت عن قتلى بالمئات، وآلاف من الجرحى، وعشرات من المناطق والمباني المحترقة، وفي كل الأحوال يخرج الناس ولا تجد السلطة بداً من إطلاق المطاط والرصاص والغاز المسيل للدموع عليهم، وتتقلب الأيام على هذه المواجهة المميتة. لبنان لم تسل فيها دماء حتى وقت كتابة هذه السطور، ولكن جرت فيها تظاهرات موازية من الحزب الوطني الحر، ومن حزب الله.

الجماهير و"الشعب" لم يعودا وحدهم في الميادين والشوارع، وما بين هذا وذاك لم يعد مفهوماً من الذي يريد إسقاط النظام، ومن "كلهن" الذين عليهم أن يذهبوا؟ في العراق ولبنان حيث ذكريات الحروب الأهلية والإقليمية مريرة، فإن المتظاهرين يريدون دولة وطنية، وإزالة الطائفية، ولا بأس الخلاص من إيران والتبعية لها، ولكن من بينهم في ذات الوقت من لا يعرفون ما يريدون، ولا من هم الأشخاص الذين تنطبق عليهم كلمة "تكنو سياسية"!

يقال في مثل ألماني أنه لا يمكن أن يجلس إنسان على كرسيين في نفس الوقت؛ وبالمثال فإنه لا يمكن المطالبة بإقالة أو إزاحة أو إسقاط الطبقة السياسية؛ ثم سؤال هذه الطبقة ذاتها بكل ما فيها من تعقيدات أن تكون هي التي تشكل حكومة من (التكنوقراط)!

الإشكالية الكبرى في أحداث الخريف العربي، كما كان في حال الربيع العربي غير المأسوف عليه هي أنه لا يمكن إزاحة الحاضر، ومعه الماضي الذي أدى إليه، إذا كنت لا تعرف المستقبل الذي تريد الذهاب إليه؟ النظرة المدققة في كل أنواع الفصول العربية هباتها وحراكها وثوراتها أنها بارعة في الهتافات، ماهرة في التغريد والتواصل، ولكنها فقيرة في المثقفين، والأخطر من القادة، فلا مجلس هناك ولا حزب، أم أن كل ذلك من الماضي المراد الإطاحة به؟ عجبي!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات