عندما تكون المسؤول

قامت شركة طيران صينية بسحب رخصة كابتن طيار مدى الحياة وذلك بعد أن قامت شابة بنشر صورتها داخل قمرة القيادة، والذي اعتبرته الشركة انتهاكاً لقواعد السلامة الجوية، وهو ذات الأمر الذي حدث مع طيار مصري بعد أن قام أحد الفنانين المشهورين بتصوير نفسه بفيديو يظهر فيه وكأنه هو من يقود الطائرة، وقد أثارت ردود الأفعال الكثيرة الجدل حول قرار الشركتين في سحب رخصة الطيارين مدى الحياة، حيث عبر البعض معلقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الخطأ كان بسيطاً ولا يستدعي هذه العقوبة التي دمرت مستقبل الطيارين.

قد يرى البعض أن مثل هذه الحوادث أمر عادي فمن الطبيعي أن يحافظ الطيار على سلامة الركاب حتى وإن دخل أحدهم قمرة القيادة ولكن القواعد الصارمة التي تضعها شركات الطيران وهيئات الطيران المدني العالمية تمنع دخول أي شخص إلى قمرة القيادة، والمسؤولية تُحتم على قائد الطائرة تطبيق جميع القواعد حفاظاً على سلامة الركاب، واختراق أي جزئية في هذا الأمر مهما كانت صغيرة يُعد كارثة وقد تعرض حياة العشرات للخطر أو الموت.

من يطبق القواعد عليه أن يحترمها ويحترم نفاذها على الجميع دون استثناء، وهذا ما حدث عندما قامت شركة «ماكدونالدز» شركة المطاعم الشهيرة مؤخراً بإقالة مديرها التنفيذي بعد أن تبين أنه على علاقة عاطفية بإحدى الموظفات، والقواعد داخل الشركة تمنع مثل هذه العلاقات، ورغم أن إقالة هذا الشخص أدى لخسارة الشركة ما يقارب 4 مليارات دولار إلا أن الإدارة وصفت هذه الحادثة على أنها إساءة فهم وتقدير لقوانين الشركة، ورغم أن هذا الشخص رفع سعر سهم الشركة إلى الضعف منذ توليه الإدارة في عام 2015 إلا أن قرار الإقالة لم يكن إلا تنفيذاً لقواعد الشركة مهما كانت النتائج، وهذا المدير خسر وظيفته وخسر راتباً يقدر بـ 16 مليون دولار سنوياً فقط لأنه أقام علاقة عاطفية مع موظفة الأمر الذي يراه البعض عادياً، فجميع الشركات تقريباً يحدث بها هذا الأمر، ولكن عندما تكون مسؤولاً فأنت غير عن الجميع!!.

عندما تكون المسؤول لا يجب الاستهانة بما تفعل حتى وإن كنت تراه أمراً بسيطاً أو عادياً خصوصاً عندما يكون الأمر متعلقاً بسلامة الأرواح، والأمر ليس منحصراً على قائدي الطائرات فقط إنما على كل الأعمال التي نقوم بها في حياتنا سواء العملية أو حتى الشخصية، فالمسؤولية أمر كبير والمسؤول عليه أن يتبع أفضل الطرق لقيادة ما هو مسؤول عنه.

عندما يتصدر شخص ليكون «شخصية عامة» سواء في المجال السياسي أو الإعلامي أو أي من الأمور الأخرى فيجب عليه أن يتبع السياسات والقواعد الضابطة وأن لا يستهين في أي صغيرة أو كبيرة، فهو محاسب أمام الناس بشكل أكبر، وكما نقولها بالعامية «عيون الناس عليه مفتحة» أي أن الأعين تراقبه وتراقب تصرفاته، فقد يقوم أي شخص عادي بارتكاب حماقة معينة أو تصرف معين وهذا الشخص المسؤول لا يستطيع حتى وإن كانت ردة فعل طبيعية في بعض الأحيان كالغضب مثلاً فالشخص المسؤول لا يستطيع أن يغضب على الملأ، وهذه هي المسؤولية وهذا ما نعنيه بأن تكون مسؤولاً، قبل أن تكون مسؤولاً عن إدارة مؤسسة أو وزارة أو حتى شركة فأنت مسؤول عن ضبط نفسك وإدارة شخصيتك بالشكل الذي يليق بهذه المكانة التي تتبوؤها.

الأمر نفسه ينطبق علينا كأشخاص عاديين، فعندما تكون مسؤولاً عن عائلة فأنت محاسب عنهم ومتصدراً للمشهد بداخل هذا التكوين، وجميع تحركاتك وتصرفاتك هي بمثابة دروس تعلمها لمن حولك، والغلطة التي ترتكبها قد تكون مدمرة لهذه الأسرة حتى وإن كانت صغيرة فبحجم المسؤولية تتضخم قيمة الأخطاء، فكلما كانت المسؤولية كبيرة كان الخطأ فيها عظيماً.

كم من شخص شاهدناه يقوم بفعل عادي وبسيط ولكن بسبب نشره في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت فعلته جريمة بل ربما جريمة كبيرة، وهذا إن دل على شيء فيدل أن بين أيدينا الكثير من الأمور التي تجعل منا أصحاب مسؤولية، والكلمة التي تخرج من أفواهنا يجب أن توزن بميزان حكيم، فالكثير من التصرفات قد تقودنا لخسارة وظائفنا خسارة عائلاتنا، وحتى خسارة كرامتنا، ولهذا علينا أن نقدر حجم المسؤولية التي على أكتافنا، خصوصاً أننا في زمن قد تحفظ فيه هذه التصرفات لمئات السنين فالكثير منها مسجل بالصوت والصورة.

أن تكون مسؤولاً فهذا يعني أنك تتمتع بامتيازات معينة، سواء امتيازات مادية كما لو كنت وزيراً أو حتى امتيازات معنوية كما لو كنت أباً أو أماً عظيماً في نظر أولادهما، ومع هذه الامتيازات هناك المقابل وهو المسؤولية التي تقع على عاتقك، ولهذا عندما تكون المسؤول فعليك أن تقدر الاثنين الامتيازات التي تتحصل عليها والمسؤولية التي تجعل منك مقيداً لقواعد وضوابط يجب ألا تتخطاها بأي شكل من الأشكال.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات