قوة الإمارات الناعمة إلى أين؟

أهمية القوة الناعمة تكمن في قدرة الدولة على الجذب والإغراء والاحتواء والإقناع بدلاً من القسر. ولا شك أن امتلاك قدرة ناعمة كهذه، توفر على الدولة الكثير من المتاعب التي تكلفها إذا ما سلكت طريق القسر والإجبار، واللذان يتطلبان كثيراً من الموارد والقوة العسكرية. ولا خلاف على أهمية القوة الصلبة، ولكن المزيج بين القوتين، أو ما يعرف بالقوة الذكية، له مردود وفعالية كبيرتين.

قد مضى عامان ونصف منذ إنشاء مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات. ويحظى المجلس بدعم ورعاية مباشرة من القيادة السياسية. وقد أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله إنشاء هذا المجلس أبريل 2017. ويتبع المجلس مجلس الوزراء بشكل مباشر. ويترأس المجلس سمو الشيخ منصور بن زايد، وعضوية مجموعة من كبار الوزراء والقيادات. وقد صرح سمو الشيخ منصور بأن «هدفنا بناء سمعة راسخة قوية للدولة تحقق من خلالها أهدافها التنموية وطموحاتها الاقتصادية والثقافية».

وقد وضع المجلس نصب عينيه استراتيجيات عدة لتحقيق أهدافه المتعلقة بتحسين مكانة دولة الإمارات عبر التركيز على تراثها الزاخر وهويتها الوطنية وإسهامها في الحضارة الإنسانية. وتتضمن هذه الاستراتيجية أهدافاً عدة: وهي توحيد جهود كل القطاعات المهمة لتحقيق الهدف المنشود، وتعزيز مكانة الدولة كبوابة إقليمية للمنطقة برمتها، وتطوير الدولة لجعلها العاصمة الثقافية والسياحية والفنية للإقليم، تحقيق سمعة الدولة كدولة حديثة ومتسامحة لجذب الزائرين والمقيمين من شتى بقاع العالم.

وحددت الاستراتيجية محاور عدة تتعلق بالدبلوماسية الإنسانية ودبلوماسية الشعوب والدبلوماسية الاقتصادية والأكاديمية. كما تتصل هذه المحاور بالتمثيل الدبلوماسي والإعلامي والثقافي. وممكن أيضاً إضافة الدبلوماسية الرياضية والمطبخية للتعرف على الأكلات التقليدية للبلاد، وأيضاً دبلوماسية الاتصالات والدبلوماسية الرقمية ودبلوماسية البيئة.

وقد حققت الإمارات خطوات جبارة في هذا المجال. ففي مجال التسامح الذي يسهم في قوة الدولة الناعمة قطعت الدولة أشواطاً. ومن أهم المؤشرات في مجال التسامح الحرية الدينية وجود أكثر من 40 دور عبادة لديانات وطوائف عدة والتي يمثل مجموعها ما يوجد من دور عبادة غير إسلامية في دول الخليج. وليس أبلغ دليل على مدى التسامح ما حصل في خلال العامين الماضيين مثل تسمية مسجد باسم مريم أم عيسى، والتي وصفت من قبل جريدة «البيان» بأيقونة التسامح والتعايش. والزيارة التاريخية لقداسة البابا لدولة الإمارات والتي حظيت بتغطية عالمية. وقد وصفت أحد الصحف الأجنبية أن زيارة البابا كرست الإمارات أرضاً للتنوع، وأضافت: «إن الإمارات تحتضن نصف المسيحيين الكاثوليكيين المقيمين في شبه الجزيرة العربية، والبالغ عددهم نحو مليوني نسمة».

وحول التصنيفات العالمية للقوة الناعمة فإنها تستخدم مؤشرات عدة، منها الموضوعية والتي تعتمد على القياسات الكمية مثل الحكومة، وهو قياس لحقوق الإنسان والقيم التي تتبناها الدولة، الثقافة وتتمثل في الإنتاج الفني والأدبي والسينما والمسرح، والأعمال والمشاريع، والذي يشير إلى جاذبية البلاد للاستثمار، وكذلك كيفية الإنتاج وإدارة الأعمال والإبداع، الاتصال مع العالم والذي يقوم على قوة شبكة الاتصال الدبلوماسي كالعضوية في المنظمات الدولية والإقليمية والمساعدات التي تقدمها الدولة، التعليم مؤشر يعتمد على كفاءة العملية التعلمية الابتدائية والعليا مدى اجتذاب الطلبة من الخارج للدراسة في دولة معينة، وكذلك الإنتاج البحثي والأكاديمي، الاتصال الرقمي هو كثافة التواصل الإلكتروني وكفاءة الخدمات الرقمية الحكومية والتجارية.

وهناك مؤشرات ذاتية وجدانية ممكن قياسها بإجراء الاستبيان ولكنها غير محسوسة مثل المحددات الموضوعية. ويتم أسئلة عينة كبيرة عن مدى رغبتهم بزيارة بلد معين أو عن أكلاتهم الوطنية ومدى ترحيب تلك الدولة بالوافدين والزائرين والسياح ومدى الرضاء عن والثقة بتلك الدولة والرغبة بالعيش والعمل بتلك الدولة.

والمشكلة في كثير من هذه التحليلات أن بعض التصنيفات تعاني من التعريفات المتمركزة على الفهم الغربي لهذه القضايا مثل حقوق الإنسان أو المرأة. فلذا تجد إجحافاً في حق دول كثيرة بسبب هذا التحيز البنيوي في معايير القياس.

فلا غرو أن تجد في تقرير 2019 أن العشر الأوائل، ما عدا واحدة، في القوة الناعمة هي دول غربية: فقد حازت فرنسا على المركز الأول تليها المملكة المتحدة، ثم ألمانيا، فالسويد، الولايات المتحدة، سويسرا، كندا، اليابان، أستراليا، هولندا.

وما نحتاجه اليوم من مجلس القوة الناعمة أن يقوم بعمل مركز بحثي يأتي بالمقابل بمؤشرات تتناسب مع الثقافة المحلية والإقليمية لقياس القوة الناعمة. فلا يمكن أن تحظى دولة تنفق في مجالات التسلح والحروب بينما هناك بعض أفراد الشعب يعانون أصناف العوز ومشردين في الشوارع. كما أن هناك دولاً عدوانية، على سبيل المثال، ودولاً تسعى لتحقيق السلام ولكن تحظى الأولى بمعدلات أعلى في تصنيف القوة الناعمة. وكذلك الحال في معاملة المسنين وما نسميهم في الإمارات بأصحاب الهمم (ذوي الحاجات الخاصة).

وهذه أمور مهمة يجب أن يتولاها المجلس بالبحث والتحليل وتقديم بدائل للأنماط الغربية للقوة الناعمة. وقد قال رسولنا الكريم ﷺ والذي نحتفي بمولده هذه الأيام المجيدة «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ». وأيضاً «إنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ».

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات