قراءة معيبة وقياسات فاسدة

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قواته من شمال سوريا، والسماح لتركيا بعملية عسكرية هناك، كان بمثابة نقطة انطلاق لظنون وهواجس بالغة السوء لدى قطاع واسع من الإسرائيليين. الفكرة هنا أن الإسرائيليين؛ الذين فوجئوا بالقرار ولم يستشاروا بشأنه، مصدومون مما يعتبرونها «خيانة للأكراد» في سوريا وتركيا، ومنهم من راح يتساءل عما إن كانت إسرائيل بدورها مرشحة للوقوع في مثل هذا الموقف «فهذا الغدر المباشر بحلفاء واشنطن وأصدقائها، بعد انتهاء الحاجة المباشرة اليهم، يبدو أمراً مزعجاً بشدة. لقد خان الأكراد وقد يخوننا في أي لحظة».

غضبة الإسرائيليين ومخاوفهم في هذا الإطار، تتناسب وحجم التأييد الذي لاقاه ترامب لديهم؛ والذي لم يهبط معدله منذ تسيده للبيت الأبيض عن الـ 75% من بينهم. لا يتصور هؤلاء أن ترامب جاد في تهديداته بحصار تركيا اقتصادياً، بالنظر إلى قوة العلاقات الاقتصادية معها، والروابط التي تجمع الطرفين ضمن حلف الناتو.

بصفة عامة بات بعض الإسرائيليين أكثر اقتناعاً بأن الرجل يتحرك شرق أوسطياً، وهو مشدود إلى شعار «أمريكا أولاً». وللإنصاف، لم ينكر ترامب هذا الشعار الذي رفعه في الحملة الانتخابية لولايته الأولى، ولا يبدو أنه بصدد التنكر له وهو يطمع راهناً في البقاء لولاية ثانية. لقد وعد الأمريكيين سابقاً في الانسحاب من مناطق الحروب غير الضرورية. وعندما سئل مؤخراً عن سبب قراره الخاص بالانسحاب من شمال سوريا، قال بأن أمريكا تريد إعادة قواتها إلى أرض الوطن أحياء وبأنه ليس متحيزاً بقراره لأحد.

المفارقة اللافتة هنا، أن مفهوم الخيانة والتخوين؛ الذي راح يراود الإسرائيليين المتحمسين لترامب وخطابه الأمريكي الوطني شبه الشوفيني، ورد أيضا وبشكل متزامن ومواز تقريباً، على لسان الرئيس الأمريكي تجاه يهود الولايات المتحدة أساساً وتجاه بعض الإسرائيليين جزئياً. حدث هذا عندما ذكر أنه «ما من رئيس أمريكي آخر ساعد إسرائيل بقدر ما فعلت؛ وأي يهودي يصوت للديمقراطيين، يظهر إما افتقاداً كاملاً للمعرفة أو عدم ولاء وخيانة منقطعة النظير».

هذا التصريح، الذي وجه بامتعاض بالغ في الأوساط الأمريكية اليهودية، ربما دل على غفلة الرئيس الأمريكي وعدم درايته بالتمايزات والفوارق الكبيرة، بين مواقف اليهود في دولتي إسرائيل والولايات المتحدة. وموجزها أن شعبيته ومستوى الرضاء عن سياساته هما لدى اليهود الإسرائيليين أكبر بكثير منهما لدى اليهود الأمريكيين.

ما يعنينا من هذا المشهد المفعم بالتلاوم والشكوك والتربص، بين مقام الرئيس الأمريكي وبين اليهود في بلاده وفي إسرائيل، التأمل في أمرين: الأول، صدقية حدس الأوساط اليهودية الأمريكية؛ التي لم تأنس لخطاب ترامب الموشي بالتعصب ضد الأقليات والمهاجرين والملونين، وعبرت مبكراً عن مخاوفها من استطراد مفردات هذه النوازع التمييزية إلى اليهود أنفسهم. وآثرت التصويت لمنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. الثاني، أن الإسرائيليين يبالغون كثيراً، حين يقارنون بين السياسة الأمريكية بعامة وتوجهات الرئيس ترامب بخاصة، المتذبذبة إزاء القضية الكردية، وبين احتمال اتخاذ سياسة ومواقف مماثلة إزاء دولتهم.

من يراجع أدبيات قضية الأكراد وسيرتهم السياسية للمئة عام الأخيرة في الرحاب الشرق أوسطية، لا يستهجن مقاربة ترامب للقضية، ولعله يتأكد من أن الرجل لم ينحرف بموقفه عن تقاليد واشنطن، وعواصم غربية وشرقية فاعلة أخرى، في معالجة الطموحات الكردية وإحباطها في هذه الرحاب. وفي الوقت ذاته ليس يخفى على أي من المعنيين، كيف أن إسرائيل تتمتع بمكانة محفوفة بالمودة والرعاية والحماية الاستثنائية عند واشنطن. وهي مكانة قد تنقص أو تزيد قليلاً؛ ولكنها تظل من الثوابت العابرة لعهود الرؤساء وصناع القرار.

بكلمات أخرى، من الجائز أن يكون ترامب قد اتخذ سياسة؛ يحسبها البعض «خيانة»، بحق الصديق أو الحليف الكردي. بيد أن تكرارية مثل هذه السياسة وتوصيفاتها تبدو مستبعدة مع الشريك الإسرائيلي. هذا ليس فقط عطفاً على موقع هذا الشريك في الاستراتيجية الأمريكية ذات الأبعاد المادية المنظورة، وإنما أيضاً وأساساً بالنظر إلى الوشائج الأيديولوجية والعقيدية غير المنظورة في سياق هذه الشراكة. لذا، لابد من التريث والنظر ملياً، قبل إجراء قياسات بين سياسات واشنطن، ولاسيما في عهد ترامب، تجاه أكراد شمال سوريا وسواهم من ناحية، وتجاه صهاينة إسرائيل من ناحية أخرى.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات