الغالي والرخيص

من أول ما حفظناه وفهمناه واقتنعنا به تلك المقولة التي تنص على أن «حرّيتك تنتهي عندما تبدأ حريّة الآخرين»، للفرد أن يفعل ما يشاء مما يعود عليه بالمنفعة مالم يكن ذلك على حساب المجتمع، فإن وصل لتلك المرحلة انتهت حريته، الكل أهم عن الجزء، والكيان الكبير أولى بالاهتمام بمصلحته من المكوّنات الصغيرة، ولا يُقدّم فرداً أو فئة قليلة على مجتمع إلا من اختلطت عليه الأمور وضاعت عنده الأولويات!

في الأيام القليلة الماضية تسارعت بعض الأحداث المزعجة بأمور دخيلة لم نعتد عليها كمجتمع عربي مسلم متزن، تناقلت أجهزة المحمول إعلاناً صادماً عن أحد المطاعم التي بدا فيها وكأننا أمام إعلانٍ لـ «كباريه» رخيص، وقبل أن نستوعب ما رأينا كان ينتشر إعلان آخر لمحل تجميل بطله أحد المتشبهين بالنساء في منظر مقزز أثار موجة غضب واستياء مجتمعي كبير، ثم إعلان ثالث لنشاط مساج متنقل بصورة لا تليق بدار زايد أو أي مجتمع يحترم نفسه ولا يرضى أن يتم تجاوز خطوطه الحمراء، يتم هذا مع زخم متزايد من ساقطي وساقطات الحياء على منصات السوشيال ميديا في التباري لاستعراض تفاصيل حياتهم الشخصية المقززة بطريقة لا تكاد تجدها عند من يدّعون التشبه بهم من الأجانب أنفسهم!

سيصيبنا بالصداع أولئك المنافحون عنهم بدعوى (دعوا الخلق للخالق)، وكأننا دخلنا بيوتهم أو اقتحمنا أماكنهم الخاصة لنُخْرِج ما كان مستوراً ونفضح مالم يُرِد أن يعلم به أحد، لكن الحقيقة غير ذلك، هؤلاء يتعمدون لوحدهم وبطريقة مستفزة نشر غسيلهم وعرض تجاوزاتهم لقيم المجتمع وأخلاقياته في نهجٍ لا يهدأ ولا يعُقل أن يكون عفوياً، وهو الأمر الذي يزيد انزعاج أفراد المجتمع السوي والخلوق وهم يرون أن ما يحدث يبدو أنه بداية السيل، الذي إنْ لم يُوقَف عند حَدّه فإنَّ تبعاته ستكون كارثية، فلا قِوام لبلد دون منظومة قيم عليا ولا رسوخ له في غياب دينه ومبادئه، وهؤلاء لا يكترثون لذلك أبداً، بل يبدو أن بعضهم يتعمد فعلاً ضرب الثوابت وإسقاط القيم!

لا دخل لنا لما يفعله الإنسان ويعتقده بينه وبين نفسه ما دام لم يؤذ أحداً أو يُزعِج سواه، «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، ولن يتعدى أحدٌ على خصوصيته ولا رغبة لنا ولا فضول لدينا للنبش عمّا يفعل في حياته الخاصة، لكننا لا نقبل أن يظهر هذا العفن علناً ويفتخر بالمجاهرة به، ولن يغيّر حقيقة سوء صنيعه مَن يُدافِع عنه مِن أمثاله والذي لا يفتأ في انتقاص المجتمع المحترم وبأّنه يرفض «استشراف» الناس عليه وعلى رفاقه، نحن لا ندّعي الشرف، نحن شرفاء من بيوت شريفة وعوائل شريفة في مجتمع شريف، لنا ديننا وهويتنا وقيمنا التي تُفرّقنا عن البقية من سقط المتاع، نحن نتعايش مع الغرب لكننا لن نُلغي كينونتنا مِن أجله، للحرية الفردية لدينا حدود وليست كما يراها الغربيون وأتباعهم بيننا بأنها مطلقة لا سقف لها، فهي حرية ألّهت الرغبات وأسقطت القيم والمبادئ التي تُفَرِّق بين الإنسان والبهائم!

تصيبنا الحيرة فعلاً مِن تناقض المدافعين عنهم والذين يبدو أنهم يؤمنون بما فعل رفاقهم و«ما يمدح السوق إلا من ربح فيه»، فهم يستشيطون غضباً بألسنةٍ حداد تارة ويدّعون المظلومية ويتباكون بنفسٍ تدّعي الانكسار تارة أخرى، ينادون بحق الإنسان في أن يعتقد ما يشاء ويقول ما يشاء ومن خالفهم فهو يريد الحجر على العقول النيّرة، وهي طبعاً عقولهم فقط أما من يخالفهم فهو متحجّر يريد إعادتنا للعصر «الكهنوتي» حتى لوكان هذا المتحجر يحمل تأهيلاً علمياً عالياً من جامعة عالمية مرموقة وله إسهامات كثيرة نافعة لجهة عمله ومجتمعه وردوده عليهم بأدلة وحجج لم يستطيعوا دحضها!

هم يغضبون ويتباكون على قتل البراءة لدى الأطفال إن رأوا تسجيلاً لطفلٍ يقرأ القرآن، لكنهم في ذات المسار يصيحون ابتهاجاً بتسجيل آخر يُظهر طفلة ترقص رقصاً شرقياً، يجنّ جنونهم لرؤية موظفة منقّبة يتم تكريمها لكفاءتها ثم تجدهم يدافعون عن شابة بلباسٍ يخالف أعرافنا بدعوى الحرية الشخصية التي حرّموها على الأولى، يتهمون أهل الدين بأنهم يريدون فرض وصايتهم على المجتمع وهم يهاجمون هذا المجتمع ودينه وقيمه ليل نهار ويريدون أن يتبعهم رغماً عنه!

الوضع يحتاج لوقفة حازمة قبل أن يستعصي على العلاج، ولا يُعقل أن نتكلم ليل نهار عن أهمية تدريس «السنع» للناشئة ثم نرى تطاول هؤلاء في تحدٍ صارخ للمجتمع وأعرافه وقناعاته، يُقال إنّ أول أمرٍ صائب تعمله إن اكتشفت أنك تحفر في المكان الخطأ هو أن تتوقف عن الحفر، وقبل أن نُدرّس «سنعنا» لا بد أن نوقف تجاوزات هؤلاء، فإن كان هناك مادة قانونية تُلجِمُهم فَيُلجأ إليها، وإنْ كان هناك فراغ تشريعي فيستوفى من خلال الجهات المختصة، فإنّ من أمِن العقاب أساء الأدب!

نحن مجتمعٌ منفتح على الآخر، متناغم مع الحياة ومتغيراتها، لكنه انفتاح لا يُلغي الهوية، وتناغم لا يسمح باستبدال الصالح بالرديء من العادات، فنحن بالتوازي أيضاً مجتمع مسلم محافظ، معتز بدينه، راسخ بقيمه العليا، فخورٌ بمنظومته الأخلاقية وأعرافه السامية، مجتمعنا ليس كغيره في هذا العصر، هو مجتمعٌ ربّاه زايد عليه رحمه الله، «غالي وربّا مجتمع غالي»، فلا تتركوه للرخيص!

* كاتب إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات