في ضوء خطاب الرئيس العراقي

خطاب الرئيس العراقي برهم صالح في الحادي والثلاثين من أكتوبر المنصرم يفتح أبواب التكهنات حول مستقبل الحراك الدموي الدائر في ساحات وشوارع العاصمة بغداد والمدن الأخرى منذ الأول من أكتوبر المنصرم. أهمية الخطاب لا تكمن في مدى صدق وصراحة ما احتواه، فهو ليس موضوع حديثنا، بل في مدى ملاءمة ما جاء فيه لمعالجة الأوضاع المتفجرة.

الخطاب يأتي استجابة للانتفاضة الشعبية التي فاجأت الجميع بقوتها وعنفوانها واستقلاليتها، حيث دخل الشباب العراقي حلبة الصراع السياسي كأبرز طرف في رسم مسار مستقبله بعد أن استأثرت بذلك واشنطن وطهران والنجف على مدى الست عشرة سنة الماضية وأوصلت العراق إلى الحالة المزرية التي فجرت الانتفاضة في أرجائه.

فقد فرض الشعب بوساطة شبابه المنتفض معادلة اتزان جديدة له السيادة فيها بعد أن صبر وصبر على المظالم طويلاً، في سيناريو غير تقليدي يحرج السلطات الحاكمة.

الرئيس في مواجهة ذلك يعرض حزمة إصلاحات تتعلق بإجراء تعديلات في الدستور وإصدار قانون جديد لانتخابات مبكرة تحت إشراف مفوضية انتخابات جديدة، إلا أنه يتجاهل الحديث عن مدى القدرة على تمرير هذه الإجراءات بيسر وسهولة في القنوات الرسمية التي لا غنى عنها وفق الدستور في زمن يتناسب مع سرعة التصاعد في الحراك الشعبي.

إذ من المستبعد أن تجد هذه الإصلاحات طريقاً سالكاً بسهولة، خاصة أنها تنزع عن المنتسبين إلى المؤسسات القائمة الكثير من شرعيتها وحصانتها وبالتأكيد نفوذها وتجعل بعض منتسبيها وربما كثرة منهم لقمة سائغة أمام القضاء إن تحركت بعض هيئاته للاقتصاص منها انتصاراً لحقوق شباب الانتفاضة.

الرئيس على بينة بأن ما يطرحه لم يعد ملائماً لمقاربة جسامة ما يحدث فهو لا يرقى إلى مستوى طموحات النزعة الوطنية العراقية المتصاعدة التي لا ترتضي الحلول الترقيعية التي لا تتجرأ على تسمية المسؤول الأول عما حاق بالعراق من ويلات ووضعه في قفص الاتهام.

الرئيس لا يتحدث عن نفسه بل يعبر عن إرادة النخبة الحاكمة التي ترى في مواجهة الانتفاضة معركة وجود، وهي من هذا المنظور لا تفكر في تقديم أية تنازلات ولا اتخاذ قرارات سياسية تراجعية .

فقد ألغى الاتفاق الذي كان على وشك الإبرام بين هادي العامري ومقتدى الصدر زعيما أكبر تكتلين في المجلس النيابي لإقصاء رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لصالح إبقائه والمضي قدماً في تصعيد القمع مما يطرح تساؤلات عما إذا كان الملف الأمني يدار بأيادٍ عراقية أم بغيرها؟ فهناك إصرار على المستوى الرسمي على رفض أي انحناء أمام الشارع المنتفض بغض النظر عما لذلك من تأجيج للعنف ووقوع المزيد من الخسائر.

وبغض النظر عن مدى اختلافنا أو اتفاقنا مع ما طرحه الرئيس في خطابه ومع أنه لم تنشأ لدى الطبقة السياسية الحاكمة في العراق تقاليد ديمقراطية حقيقية لا يتردد من يلتزم بها ويحترمها من الاستقالة ومغادرة المشهد عند الفشل في مواجهة قضايا أقل كثيراً جداً جداً من المسؤولية في مواجهات دامية تسببت بوقوع المئات من القتلى والآلاف من المصابين.

إلا أن الموقف يتطلب معالجة سريعة جداً لا مفر من الإقدام عليها، وفي مقدمتها استقالة حكومة عادل عبد المهدي كثمن أولي، فهو لم يعد موضع ثقة بشكل نهائي بعد أن تلطخت حكومته بالدماء.

أما تأجيل ذلك لحين الاتفاق على مرشح غيره، فهو تسويف وشراء للوقت ورفض بحجة غير مقبولة وهي تلافي وجود فراغ سياسي، فالحكومات في جميع أنحاء العالم تستقيل من غير تلبية شرط كهذا وذلك، لأنها تملأ هذا الفراغ حين تتحول إلى حكومة تصريف أعمال. ولنا مثل قريب زمنياً ومشابه واقعياً بسبب تشابه الظروف وهو استقالة رئيس الوزراء اللبناني في ظروف تعصف بلبنان.

الرئيس برهم صالح يرى غير ما يراه الجمهور الثائر الذي يطالب بتنحي الطبقة السياسية وبضمنها الجالسون في مقاعد المجلس النيابي، في حين يرى الرئيس.

كما يتضح من خطابه، ضرورة الإسراع بإدخال حزمة إصلاحات عبر القنوات الرسمية، لأنه لا يمتلك بديلاً عنها طالما ليس هناك، على الأقل في الوقت الحاضر، نزوع نحو ما لا مفر من مواجهته لاحقاً وهو إعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة إنقاذ وطني تتجاوز في آليات عملها ما للدستور الحالي ومؤسساته من سطوة على العملية السياسية.

Ⅶ كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات